مائة عام؟! هذه مسافة من الزمن طويلة، ودون كل عام منها حُجب وحُجب من أستار غيب إلهي، والزمن ماضٍ لا يثقل رِجْلًا، والفلك دائر لا يتوقف، والرقعة واسعة مترامية إلى غير نهاية، والحوادث شتى المهابِّ مختلفات القوة، فأنَّى يكون لي أو لسواي علم باتجاهها آخِر الأمر؟ شيء واحد أدريه، وأنا على يقين منه، إذا جهلت ما عداه أو لم أعرفه إلا توهمًا، ذلك أني لن أكون يومئذٍ حيًّا يسعى أو يُرزق — مع الأسف — فلا مازني ولا غيره من هذه الأشباح والطيوف التي تخطر الآن وتتراءى في هذا الحلم الكوني الذي تتغير مناظره ولا ينتهي، ولن تخسر الدنيا يومئذٍ شيئًا، وهل تعدم ناسًا يدبون على ظهرها، راضين وساخطين، طامحين وزاهدين، محتربين ومتهادنين، مغرورين ومفتونين في كل حال؟

الثياب

وفي ذهني مع ذلك صورة غير واضحة للحياة بعد مائة عام، قد لا تكون مقنعة، ولكنها هي التي ارتسمت أمامي خطوطها الكبرى، ويُخيل لي وأنا أمد لحظي وأحاول أن أستشف هذا الغيب البعيد كأن هذه الدنيا الكاسية ستعرى، وأعني بالدنيا ناسها وأهلها، وصحيح أن الناس يزهون بالثياب ويتجملون بها، ولكن أصح من ذلك في رأيي أن العناية بالجمال الطبيعي صارت أشد وأعظم، وقد كانت الثياب وما زالت للزينة قبل المنفعة، ومن الزينة سد النقص ومداراة العيوب وإبراز المفاتن، وقد صار التفطن إلى معاني الجمال المختلفة في الجسم الإنساني أدق وأعمق، والالتفاف إلى «التعبير» فيه أقوى من الالتفاف إلى «الصورة»، ومن هنا — بين النساء — السفور الذي يستفيض ويتبعه على الأيام التجرد، ومظهره الآن إيثار الشفوف وتقصيرها وتعرية الأذرع والصدر وبعض الظهر، ومن هنا بين الرجال — أو لعل الأصح أن نقول الشبان — التخفيف والتفصيل المحبوك المراد به إبراز محاسن الجسم، ولا أحسب العُري سيكون سببًا في الإباحة أو نتيجة لها؛ ذلك أن الجمال معنى شائع وليس مقصورًا على موضع دون موضع، ألا ترى مثلًا أنه يعييك أن تقول ما الجميل في الزهرة؟ أهو هذه الغلالة أو تلك من غلائلها؟ كلا! ولا فوهها وحده أو نورها أو كأسها أو رائحتها إذا كانت ذات رائحة، بل هي ذلك كله، ولونها أو ألوانها وصبغتها، وبيئتها أيضًا وشوكها كذلك، والمعاني التي نراها فيها، والإحساس الذي نفيض عليها، والحالة النفسية التي نكون تحت تأثيرها، كل أولئك وغيره مما لا ندرك يتألف منه جمال الزهرة، ثم إن للعادة فعلها، والعادة تبليد، وإذا أَلِفَتِ العين الإنسانية منظر العُري فلن يكون موضع أشد إغراءً أو استجاشة للنفس أو تنبيهًا للحواس من موضع، ولا خوف من الانتكاس إلى الهمجية؛ فإن الرقي الإنساني حقيق أن يكبح عنف العواطف الخشنة، ويُرقِد أو يُلجِم الغرائز الساذجة، ومن عجائب رياء الإنسان أو قدرته على مغالطة نفسه أنه يَنشد العُري، ويُغِذُّ الخُطى إلى التجرد، ولا يصارح نفسه بحقيقة البواعث الحافزة له على ذلك؛ فتراه يزعم أن العُري أصح للجسم وأحفظ لقوته ونضارته، وقد يكون مخلصًا في توهمه أن الباعث له هو طلب الصحة والتماس العافية، ولكن مغالطة الإنسان لنفسه في الحقائق لا تكون أتم منها حين تكون حماسته فائرة.

الزواج

على أني أحسب أن الزمن سيكون قد عفَّى على نظام الزواج وأحاله — كما يقولون — أثرًا بعد عين، أو على الأقل جعله في صورة أخرى تكون أكثر موافقة لاستقلال المرأة ومساواتها للرجل، وأشد مواءمة لنظام الاجتماع الذي يزداد على الأيام ميلًا إلى الاشتراكية، والاشتراكية لا وجود لها في مصر الآن بالمعنى الصحيح؛ لأن مدنية مصر لم ترتفع كثيرًا عما يسمونه «الفيزيوكراسية»، فلا يزال الشعب همُّه الأول وعمله الأكبر الزراعة وما إليها، وما انفكت الصناعات محلية صرفًا، والشعب فقير والمال في أيديه قليل، وأدوات الترف لا يكاد يعرفها السواد الأعظم، ولكن ضرورات الحياة قريبة المنال من كل واحد، غير أن الأمة مع ذلك بدأت — بدأت فقط — تفقد تعويلها على الأرض وحدها، وأخذ أبناؤها يهجرون الحقول وينفضون أيديهم من المحاريث وينتقلون إلى المدن، وراحت المدن تكثر وتكبر وتتسع على حساب القرى، وشرعت الصناعات تنشأ والاحتكار — أو ما هو منه قريب أو في حكمه — يوجد، والتعليم ينتشر، وسيُحس الفلاح على الأيام أنه ليس حرًّا وإنما هو عبد لسواه، وأنه يُحرَم ثمار كَدِّه في الأرض، سيُحس ذلك أو يتولد الإحساس في نفسه به بفضل ما يقرأ ويسمع وإن كان غير صحيح على إطلاقه، وأَخلق به حينئذٍ أن يهجر القرية وأن تتدفق جموعه على المدن التي تبتلعه وتشقيه وتسخطه على الحياة، وتلجئه إلى الدفاع عن نفسه، والمدن بطبيعتها أمْيَل إلى الصناعات الضخمة، وهي تنشئها على حساب الإنتاج الزراعي والحيواني، وتخلق بذلك طبقة كبيرة من العاملين بالأجور ليس لهم شبر واحد من الأرض يملكونه، وحياتهم كلها رهن بما يصيب المصنع من كساد أو توقف أو نحو ذلك.

النظام الاجتماعي

فالاشتراكية لا مفر منها في مصر بطبيعة الحال، وبقوة العدوى من الغرب أيضًا، ومآلها آخر الأمر — فيما يبدو لي — أن يكون كل شيء ملكًا للدولة، وألا يكون للفرد إلا ما يكسب على أن يئول بعد موته إلى الدولة، وقد يصير الأبناء كذلك ملكًا للدولة لا لأبويهم، تربيهم وتنشئهم وتلقِيهم إلى الحياة رجالًا ونساءً يسعَون ويكدحون ويشقَون أو يسعدون، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، وقد يتحول الزواج بين الجنسين إلى عهد حب تبقى معه العلاقة ما بقيت العاطفة، ولا يكون من شأن العلاقة أن تحمل المرأة تبعة عن الرجل أو الرجل تبعة عن المرأة؛ لأن كلًّا منهما مسئول عن نفسه وحدها، والدولة مسئولة عن بنيهما.

أيكون هذا فسادًا؟ لا أدري! ولست أنا المسئول عنه إذا طمى وطغى، وعلى أن هذا الذي ندعوه فسادًا متى خلت منه الدنيا؟ ويا رُبَّ رذيلة عصر قد صارت فضيلة عصر آخر! وينقصني أن أعرف أن الثياب والزواج ونظام الاجتماع الحاضر في مصر أو غيرها — محت الرذيلة أو أشاعت الفضيلة أو جعلت عصرها أعف وأشرف، ولست أحبذ شيئًا وأستهجن خلافه، وإنما أنا أتخيل قياسًا على ما أرى، وأتتبع الخطوط التي أبصرها، حتى أنتهي بها إلى ما يبدو لي أنه آخرها بعد مائة عام، ثم أرسم الاتجاه الذي أستشفه، وقد أكون مخطئًا ولعلِّي مصيب، بل أنا الاثنان معًا على التحقيق.

التخاطب والتفاهم

وخير ما يروقني وأشد ما يفتنني من صورة هذا المستقبل البعيد أن الناس سيستغنون عن الكلام والكتابة أيضًا، أَوَتعجب لهذا؟ لماذا بالله؟ ألم يتفق لك أن تجالس صديقًا وأن تمر بكما فترة سكون وصمت وكلٌّ منكما في شغل بنفسه، ثم ترفع عينك إلى وجه صديقك؛ فتقرأ في وجهه شيئًا كأنه مكتوب على جبينه وفي عينيه وعلى شفتيه وفي كل خط من خطوط التعبير في الوجه، بالحرف الجلي؟ ولا يخامرك ظل من الشك في صدق فراستك، فتستأنف الكلام معه لا من حيث انقطع، بل مما طالعت في محياه، ولا تكون مخطئًا؟ فما هذا إن لم يكن تناجيًا بالعقول؟ وإذا كان يسعنا الآن أن نستغني بالنظرة عن الجملة، فلماذا نستبعد أن يكون التعبير في المستقبل بغير الألفاظ؟ يشتغل العقل وترسِل إليك العين موجات الفكر فتتلقاها وترد عليها بهذه الطريقة، كما تبعث الرسالة اللاسلكية تقطع آلافًا من الأميال وتخترق العواصف والأعاصير، فتتلقفها آلة أخرى وتسجلها وترد إذا شاءت وكان الأمر يحتاج إلى جواب، وماذا يمنع أن يحصل هذا بين الإنسان والإنسان كما يحصل بين الآلة والآلة؟ الطبيعة واحدة وقانونها لا يختلف، وموجات الذهن تنتقل، وليس ينقص الإنسان إلا التدريب.

ومتى استغنى الناس عن التخاطب بالألفاظ، فقد بطلت حاجتهم إلى الصحف والمجلات والكتب؛ فلا هلال يومئذٍ، ولا مصور، ولا سياسة، ولا أهرام، ولا صندوق دنيا أو آخره؛ لأن التفاهم يكون يومئذٍ بغير واسطة من اللسان أو القلم، والصور تنتقل إلى الذهن بالإرادة، أي بالقدرة على إحضارها وتمثلها في ضمير الفؤاد، ويبطل الأدب من شعر ونثر، وينقطع فيض الهذر وتستريح الدنيا من غرور الأدباء وزهو الشعراء، فليت الكتَّاب والشعراء يعيشون إلى ذلك الزمن ليروا بأعينهم كيف تستغني الدنيا عنهم، وتزول حاجتها إليهم — إن صح أن بها حاجة — وكيف تنقلب بدونهم أرغد وأهنأ وأطيب مقامًا، وكيف أن الشعور بالحياة ووقعها كما ينبغي لا يستلزم أن يدلوا على العالم ويتيهوا، ويصعروا للناس خدودهم ويشمخوا بأنوفهم، ويعدوا أنفسهم فوق مستوى الخلق، وأنصاف آلهة بين الفانين، وهل الأدب إلا نتيجة نقص في التفاهم بين الناس، وبينهم وبين الطبيعة؟

التقدم العلمي

وبعد، فهل بي حاجة أن أقول بعد الذي أسلفت عليه الكلام إن الطيران سيكون واسطة الانتقال، وإن حاجة الناس إلى الشرطة والقضاء ستظل تتضاءل حتى تنمحي؟ كلا! فإن طريق التقدم المادي أوضح من خط الرقي النفسي والعقلي، والتكهن به أسهل، وتتبع مراحله أهون وأقل مشقة، ولو شئتُ لأطلتُ في هذا وقلتُ — مثلًا — إن مصر ستكون بلاد الدراسة العليا لطب العيون؛ لأنها بلاد العمى، وإنها ستخزن حرارة الشمس ليدَّفِئ بها الناس في الشتاء إلى آخر ذلك، ولكن بي حاجة أن أبين أن الجماعة ستكون يومئذٍ أرقى من أن تترك أمر النسل فوضى، وأكبر الظن أن أمره سيكون مضبوطًا إلى حدٍّ لا يسمح بأن يجيء الناس بالذرية بلا حساب — كالأرانب أو القطط — فإن الدنيا لا تنقصها كثرة الناس، وإنما يعوزها أن يكون سكانها جميعًا صالحين للحياة قادرين على الاضطلاع بأعبائها، وكثرة الناس بلا داعٍ من أكبر أسباب المتاعب والمشاكل، ومع الكثرة يتعذر التنظيم الحسن والرعاية الكافية للمصالح الحيوية، فالمنتظَر بعد مائة عام أن يكون الناس قد أدركوا الحاجة إلى تنظيم النسل وضبط أمره، فلا يلدون أكثر مما تتقاضاهم الضرورة، ولا يأتون إلى الدنيا بالضعاف الذين لا خير فيهم، ولا أمل في أن يعيشوا إلا عالة على المجتمع، أو لا يبقون عليهم إذا جاءوا خطأً وعلى غير قصد.

الفضائل والرذائل

وإذا كنت أشك في شيء، فلا ذرة عندي من الشك في أن تقدير الناس للفضائل والرذائل — ولا سيما الجنسية منها — سيتغير تغيرًا جوهريًّا، وهذا عندي محقق؛ لأني ألمح بوادر ذلك من الآن، وأرى الناس يميلون إلى النظر إلى هذه المسائل بعين العقل وحده ومن غير تأثر بالعادات والتقاليد، وأكثر ما يرجع ذلك إلى رجة الحرب الكبرى أو زلزالها على الأصح، فقد قلبت كل شيء رأسًا على عقب، وأطلقت من عقالها بعد طول الكبح عواطف وغرائز طال الرياء فيها، وليس ينقص الدنيا إلا زلزال حرب أخرى كتلك ليبلغ الانقلاب تمامه.

وبعد، فهل هذه صورة لمصر أو للعالم، بعد مائة عام؟ وجوابي أن مصر في قلب العالم، وأن أمواج الحركات العالمية تغمرها كما تغمر سواها، وأن لكل حركة في غير مصر صداها القوي عندنا، وأننا نترسم خطوات الغرب ونُغِذُّ السير للحاق به، والخطوات الأولى هي العسيرة دائمًا والتي يطول التردد قبلها، كالطفل لا يمشي إلا بعد طول الحبو والتعثر.

ولا أستطيع أن أقول إن هذه الصورة التي أثبتُّ هنا بعض معالمها البارزة حسنة رائقة، أو صادقة، أو صادرة عن تفاؤل بالمستقبل، ولكنها هي التي تبدو لي وتخايلني من وراء الحجب، ثم لا شك أن ألوانها من النفس، وأنا لم أخلق نفسي كما يعلم القارئ فيما أظن!

ومسألة أخرى قبل أن أضع القلم: هل مائة عام تكفي لإحداث هذا الانقلاب كله في مصر؟ أما أنا فأقول: نعم، وأما المنكِر فيقول: لا، فمن يفصل بيننا؟ لم يبقَ إلا أن ندعو الله أن ينسأ في آجالنا حتى ندرك ذلك العصر؛ فنرى بأعيننا، وإذا مد الله في أعمارنا فلن نرضى يومئذٍ عما نشهد؛ لأنا نكون بقية متخلفة من الماضي العتيق، نُغْني أبناء ذلك المستقبل عن اتخاذ المتاحف والآثار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.