رَوَتِ الأخبارُ أنَّ العالِمَ الأثريَّ اللبنانيَّ هنري فرعون «ألقى قنبلة في الدوائر الإسلامية ببيروت عندما أعلن أن لديه وثيقة مكتوبة بخط النبي محمد صلوات الله عليه.»

وأضافت الأخبار «أن صحيفة بيروت المساء نشرت هذا النبأ، وقالت إنه يجري الآن فحص الوثيقة لإثبات مدى صحتها … وقد صرح الدكتور عبد الحفيظ القاضي من كبار الدين الإسلامي لوكالة «اليونايتدبرس»، بأن المسلمين يعرفون أن محمدًا كان أميًّا وكان يستخدم خاتمًا بدلًا من التوقيع، وقال إنه يشك في صحة هذه الوثيقة، ولا يستطيع أن يعرف كيف يمكن إثباتها. ولكن إذا ثبت أنها صحيحة، فسوف تكون بدون شك أكبر اكتشاف ديني أدبي في التاريخ.»

وعقبت الأخبار على ذلك، فقالت: «يظهر أن الوثيقة تحمل دليل كذبها، وأنها لم تبلغ حتى درجة التزوير المتقن؛ فقد ذُكِر أنها خطاب من النبي محمد إلى الإمبراطور الفارسي قورش! والذين لهم أدنى دراية بالتاريخ يعرفون أن قورش كان قبل بعثة النبي بعهد طويل، وأن النبي محمدًا عليه السلام بَعَث برسالة إلى الإمبراطور الفارسي كسرى أبرويز يدعوه فيها إلى الهدى والإيمان.»

وقد أحدث هذا الخبر في البيئات الأدبية الدينية عندنا هزة لا يبلغ من شأنها أن تُوصَف بأنها قنبلة … ولكنها دعت إلى التساؤل في غير جهة واحدة، كما يُؤخَذ من الرسائل التي وردت إلينا من إسكندرية والمنصورة والمنيا والقاهرة بتوقيعات السادة الأدباء: شاهين أحمد، وأحمد صلاح الدين، وكمال فهيم، وعبد الرازق فهمي المهداوي.

وتكفي مقتبسات من رسالة السيد المهداوي، وهو طالب بحقوق الإسكندرية، للدلالة على سائرها.

قال الأديب الحقوقي في رسالته المطولة: «أخيرًا، وَقَع المحظور وحدث ما كان يُتوقَّع حدوثه في هذا القرن العشرين … فأحدث ضجة كبرى في الدوائر الإسلامية في الشرق … ومما يدعو إلى الدهشة ويثير التساؤل كيفية العثور على هذا المكتوب والمكان الذي وُجِد فيه … فإنه من غير المعقول أن تبقى هذه الوثيقة حوالي ١٣٨٢ سنة دون أن يحدث فيها أي تغيير أو مسح … والمطلوب الآن حماية الإسلام ورسول الله من هذه الادعاءات الكاذبة وتصحيح الأخبار. فما رأي أستاذنا العقاد؟ …» إلخ.

وقد أصابت «الأخبار» حين قالت إن الوثيقة تحمل دلالة التزوير الساذج على وجهها؛ لأنها تسمي الملك الذي كتب إليه النبي رسالته باسم قورش، هو ممن تولوا ملك فارس قبل الدعوة المحمدية بعدة قرون. ولكننا نفترض أن تصحيفًا وقع في النقل بين خورش وخوشرو أو خوسرو، وهو اسم كسرى كما كان يلفظه الفرس الأقدمون، وإنما يدعونا إلى هذا الافتراض أن الجهل بالتاريخ الفارسي لا يبلغ بأحد يشتغل به أن يخلط بين العصور هذا الخلط الذريع.

وقد أصاب الدكتور عبد الحفيظ القاضي حين قال إن إثبات كتابة الرسالة بخط النبي عليه السلام متعذر في العصر الحاضر؛ لأننا إنما نستطيع إثبات ذلك إذا كانت لدينا رسائل متعددة، أو رسالة واحدة على الأقل، نعرف منها قواعد كتابته عليه السلام ونقابل بينها وبين الرسالة المكتشفة للحكم بالمشابهة بين الخطوط. وربما ثبت أن الوثيقة المكتشفة قد أُرْسِلَتْ حقًّا من عند النبي صلوات الله عليه، ولكن ثبوت ذلك لا يدل على أنها كُتِبَتْ بقلمه، ولم تُكْتَب كغيرها بأقلام كتاب الوحي المعروفين.

ومن الواجب أن نسأل — كما سأل الطالب الحقوقي — أين كانت هذه الرسالة؟

وكيف بقيت محفوظة في مكانها لم تعمل فيها يد المحو والتغيير طوال هذه القرون؟

على أنها كيفما كانت ومهما يكن ما تثبته من أمر علم النبي بالكتابة، لن تمس العقيدة الإسلامية في وصفه عليه السلام بالرسول الأمي كما جاء في القرآن الكريم.

وإنما ينبغي — أولًا — أن نفهم معنى كلمة «الأمي» على التحقيق عند اليهود وعند أهل الكتاب من المسيحيين، كما وردت في أسفار العهد القديم وفي أسفار العهد الجديد.

ومعناها المُحقَّق عند أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين، أن الأميين هم غير بني إسرائيل، وأنهم يُنسَبون إلى الأمم في العبرية والآرامية، ولكنهم يُنسَبون إلى الأمة في اللغة العربية بحسب القاعدة المشهورة في هذه اللغة، وهي النسبة إلى الفرد.

وردت هذه الكلمة بهذا المعنى في عشرات المواضع من التوراة، ومنها ما جاء في المزمور السادس بعد المائة عن اليهود المغضوب عليهم؛ لأنهم «لم يستأصلوا الأمم الذين قال لهم الرب عنهم، بل اختلطوا بالأمم وتعلموا أعمالهم … وأسلمهم ليد الأمم وتسلط عليهم مبغضوهم.»

ووردت هذه الكلمة كذلك في عشرات المواضع من كتب العهد الجديد، ومنها — على سبيل المثال — في الإصحاح الثاني من كتاب غلاطينة: «لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس قُدَّام الجميع: أنت كنت — وأنت يهودي — تعيش أمميًّا لا يهوديًّا، فلماذا تُلْزِم الأمم أن يتهوَّدوا؟!»

ومنها في أعمال الرسل: «بل أخبرت أولًا الذين في دمشق وفي أورشليم حتى جميع كورة اليهودية، ثم الأمم، أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله.»

وقد وُصِفَت المرأة من غير اليهود في الإنجيل بأنها «أممية»، ووُصِفَ الرجل بأنه «أممي» على هذا المعنى الذي لا معنى غيره عند أهل الكتاب.

والمعروف أن اليهود يزعمون أن النبوة لا تكون في غير بني إسرائيل، وأن كتب الوحي لا تتنزَّل على غيرهم من أبناء الأمم، فكذَّبَهم القرآن الكريم في آيات كثيرة حين قرَّرَ لهم وللناس أن الله يبعث الرسل قديمًا وحديثًا في غير بني إسرائيل، وأن أبناء الأمم — أي الأميين نسبة إلى المفرد على قاعدة اللغة العربية — يتنزل عليهم الكتاب، وأن الأميين كأهل الكتاب فيما يتنزل عليهم من هداية الله.

وهذا هو معنى قوله تعالى: () (الجمعة).

وهذا كذلك هو معنى قوله تعالى: () (الأعراف).

وفي هذه الآية تذكير لهم بأن الكتاب يذكر نبوة الأميين.

ويؤيد هذا ما كان من اعتقاد بني إسرائيل تحريم ديون الربا فيما بينهم، وإباحته مع أبناء الأمم من غير اليهود كما جاء في بعض كتب العهد القديم. وقد أنكر عليهم القرآن الكريم ذلك كما جاء في سورة آل عمران: ().

أما المقصود بمن لا يعلمون الكتاب من اليهود، فهم اليهود الذين دخلوا في اليهودية من غير العبريين أبناء إسرائيل، فهؤلاء لا يعلمون لغة التوراة ولا يؤدون صلواتهم بها؛ لجهلهم بألفاظها واكتفائهم بترديد التأمين — آمين آمين — على ما يسمعون من الكاهن عند وقوفه عن الترتيل.

وهؤلاء هم الذين يشير إليهم القرآن الكريم في سورة البقرة: ().

فليس في الوثيقة التي يُقال إن الأستاذ «هنري فرعون» قد عثر عليها أخيرًا خبرٌ من الأخبار يمس عقيدة المسلم في صفة النبي عليه السلام، كما جاءت في هذه الآيات. ومهما يثبت من أمر الكاتب للوثيقة المكتشفة، فالمهم في هذا الأمر هو الناحية التاريخية التي لا تغير قليلًا ولا كثيرًا في حقائق الدعوة المحمدية كما وُصِفَتْ في الكتاب.

وقد فهم بعضهم أن تقسيم الناس إلى أهل كتاب وإلى أميين، يعني أن الأميين حتمًا لا يكتبون. وليس هذا بصحيح على الإطلاق؛ لأن اليهود قد كان فيهم ألوف من بني إسرائيل لا يكتبون، ولأن العرب قد كان فيهم من يكتب ويحسن الكتابة، وقد وُجِد فيهم من كانوا يكتبون آيات الكتاب عن النبي عليه السلام، وربما جاء على سبيل التغليب معنى أهل الكتاب وغير أهل الكتاب مرادفًا لمعنى العارفين بالكتابة وغير العارفين بها، ولكنه معنى مستعار وليس بالمعنى الأصيل، ولا مناقضة فيه لشيء جاء في آيات القرآن.

على أن المُحقَّق منذ عهد الدعوة المحمدية أنه لم يكتب بيده الشريفة رسالة قط، ولكنه لم يكن يجهل ألفاظ الحروف وأشكالها إذا أملى الكلام لساعته، ويفسره أنه تناول الصحيفة التي كُتِب عليها صلح الحديبية، فمحا منها كلمتَيْ «رسول الله»، حين عزَّ على علي بن أبي طالب — رضي الله عنه — أن يمحوهما بعد اعتراض المشركين وقولهم عند سماع العهد المكتوب إنهم لو شهدوا بأن محمدًا رسول الله لَمَا حاربوه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.