(١) أشدُّ الصعوبات تُوجَدُ حيث لا يبحثُ عنها الإنسان، سواء أكان ذلك في الحياة أو في الأدب أو في العلم، فإذا لم يجد الإنسان صعوبات، فليس معنى ذلك أنها غير موجودة.

(٢) لو كان من المستطاع ادِّخار الوقت وخزن الزمن كما يُدَّخر المال وكما يُخزَّن الذهب لحين الحاجة إلى صرفه وبذله في عمل ما؛ لكان لذوي الكسل بعض العذر في عدم صرف وقتهم في العمل المنتج، ولكن حتى لو كان خزن الزمن وادِّخاره مستطاعًا ليصرفه صاحبه عند الحاجة؛ لكان هذا أيضًا من ضعف رأي صاحبه؛ إذ يكون كمن يصرف من رأس ماله المدخر بدل الصرف مما يربح بالعمل، والذي يصرف من رأس ماله لا من ربحه يوشك أن يفلس.

(٣) قيمة كل أمر في الحياة تكون على قدر معونة المرء على تكميل نفسه وتهذيبها وتثقيفها. ولعل في هذا بعض ما في قول هازلت: إن الإنسان إذا تمنى أن يكون إنسانًا آخر، فهو في الحقيقة لا يتمنى إلا أمورًا تكمل شخصيته الخاصة، كأن يتمنى ذكاء هذا، أو ثروة ذلك، أو سعادة آخر؛ إذ لو تخلى عن نفسه وعقله وعن ذكرياته وإحساساته وأفكاره لصار إنسانًا آخر، فلا يفيده تحقُّق ما يتمنَّاه، بل يفيد هذا الشخص الآخر. وإذن لو خُيِّر أفقر صعلوك وطُلب منه أن يتخلَّى عن نفسه وأن يكون ملكًا أو ثريًّا أو عالمًا؛ ما تصوَّر إلا أن ينال مُلك الأول، أو ثروة الثاني، أو علم الآخر، على شرط أن تبقى له نفسه. وهذا مصداق قول الإسكندر المقدوني: لو لم أكن الإسكندر لتمنيت أن أكون ديوجنيز (أي الفيلسوف المعروف).

(٤) مهما حاوَلَ الإنسان أن يفسِّر أسبابَ جودة الأمور الجيدة الممتازة، فإن في جودتها صفات لا تفسَّر؛ إذ تجلُّ عن التفسير، وهذا يذكرني أحد أصحاب الفن الذي كان مولعًا بالنظر إلى صورة موناليزا التي عنوانها المسرورة «لاجيو كوندا»، فلما كتب والترباتر وأطال في وصف أسباب جودتها، وابتعاثها للسرور، قال صاحب الفن: إن أقوال والترباتر عن هذه الصورة إنما هي من أدب الخيال وقصصه؛ أي ليست أسبابًا حقيقية.

(٥) إنه أمر محرج حقًّا أن يمدح الرجل الممتاز وأن يعجب به الحمقى والأغبياءُ، وكأن جوتا ينظر إلى عكس قول المتنبِّي أو إلى ما يكمل معنى بيته:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ

فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ

وإذا أتى المدح من أهل النقص كان مدحًا مريبًا، وربما يُخيل للسامع أن الممدوح ناقص مثلهم. وهذا يتفق أن يكون — وقد لا يكون — دليلًا، ولكنه محرج كما قال جوتا.

(٦) كلما كبر الإنسان ازداد تسامحًا إذا لم ينسَ أخطاءه وأغلاطه في ماضي حياته، وإذا عامل الناس بمثل ما عامل نفسه به في تلك الأخطاء والأغلاط. وهذا شرط قلَّما يستقيم؛ إذ إن نفس المرء كثيرًا ما تدعوه إلى نسيان أغلاطها وأخطائها، وإلى نسيان تسامحه مع نفسه، بل إنه كثيرًا ما يحسب أنه يكفر عن تسامحه مع نفسه في ذنوبها بالتشدد والعنف مع الناس إذا وقعوا في مثلها، إلا إذا أراد أن يعذر نفسه بأن يعذر الناس، ولكن يمنعه من ذلك خوفه أن تظنَّ به محاولة عذر نفسه إذا عذر الناس؛ فيحجم عن عذرهم.

إن صاحب الفن أو الصنع قد يُجِيد الصنع في فنه، ولكنه قد يعجز عن أن يفسِّر سبب جودةِ صنعه، كما قد يعجز عن تفسير سبب جودة صنع غيره. والواقع أن صاحب الفن قد يكون غافلًا عن جودة صنعه، حتى إنه قد يفضل من صُنْعَيْهِ أقلهما جودة؛ فيحكم له بأنه يمتاز عما هو أحقُّ بالتفضيل.

(٧) في كل المقاصد والأغراض الإنسانية إذا فصل المرء بين الأمر الواقع وبين التفكير النظري أخلَّ بالفن والحياة؛ إذ إن كلًّا منهما متمِّم ومصحِّح لأخيه.

(٨) عندما عَلِمَ بعضُ الفرنسيين أن ميرابو الخطيب كان مدينًا إلى حدٍّ كبير في خطبه للمادة التي جمعها له دو مونت، ظنوا أن هذا أمر ينقص من قدر ميرابو. وقد قال جوتا: كأنَّ أمثالَ هؤلاء القوم يحسبون أن هيراقليز — رب القوة عند الإغريق — كان يستطيع أن يستغنيَ عن الغذاء، وما كان يستغني في تلك الخرافات عنه ليظهر قوته، وكذلك العبقري إنما كان عبقريًّا لقدرته على الإمساك بالأمور يمينًا ويسارًا، ولقدرته على الاستفادة منها مادةً لعبقريته، وعلى إعطائها حياةً خاصة من لبه وإحساسه، وقال جوته أيضًا: إن ابتكار العبقري إنما يكون بذكريات مؤلَّفة تأليفًا فنيًّا ومنسقة تنسيقًا مبدعًا.

وقد ألمَّ أبو العلاء المعري بهذه المعاني، وأبدع في باب التشبيه كلَّ الإبداع في قوله:

والنحلُ يجني المرَّ من نور الرُّبَى

فيصير شهدًا في طريق رضابِه

أي إنه يجني من الزهر ويُعطي بدلَ ما جنَى رضاب النحل، وكذلك العبقري.

(٩) من الصعب أن يظلَّ المرءُ منفردًا عن المذاهب والجماعات؛ لأنه إذا التحق بطائفة منها فهو حتى في إخفاقه وخيبته يجد الاطمئنان والسكينة والأمان. ويزداد المرء رغبة في الخير إذا اتَّصَل بجماعة ترغب في الخير، كما يشجع على عمل الشر إذا كان في طائفة ترغب في الشر. وقول جوتا يذكِّرُني كلمة لهازلت في صعوبة بقاء الإنسان مستقلًّا عن الجماعات والأحزاب، قال: إنه تتضاءل لديه نفسه حتى يتهمها بالباطل، وحتى يتهم رأيه إذا ألحَّ عليه كل الناس بالخلاف، ويظلُّ كأن الأرض زالت من تحت قدميه وظل معلقًا في الفضاء. والواقع أن من يدعي الاستقلال عن الأحزاب والجماعات يتصل بها في أمورٍ كثيرة، فليس هناك انفصال تام.

(١٠) كثيرًا ما تكون النظريات العامة محاولة من الرجل المتسرع القليل الصبر الذي يحاول التخلص من الظاهرات، ومن الجهد المرهق الذي يقتضيه تفسيرها، فيضع مكانها صورةً أو فكرةً أو كلمةً جوفاء ينخدع بها من لا يجرِّب بنفسه، بل يعتمد على الروح الحزبية بين الجماعات.

(١١) عندما نفقد الشغف بشيءٍ والرغبة فيه نفقد ذكراه كما أن المرء لا يسمع ما لا يودُّ سماعه. وهذه نظرات سيكولوجية من جوتا هي أشبه بأقوال سيجموند فرويد.

(١٢) لا يستطيع المرء أن يكتسب ثقافة من غيره إلا إذا استطاع تثقيف نفسه.

(١٣) إذا أخطأنا في المحسوسات، فليس الخطأ خطأَ الحواس، بل خطأ ملكة الحكم على المحسوسات، فإنها تخطئ إذا لم تعرف حدودَ الحواس، وطرق استخدامها استخدامًا صحيحًا.

(١٤) كثيرًا ما يتقدَّم من يدافع عن الباطل بلطفٍ وأدب، بينما يغترُّ من يرى نفسه على حقٍّ بما يراه من الحق في نفسه، فيستغني عن اللطف والأدب؛ لأن الأول يريد أن يكون باطله مقبولًا، فيدلف إلى الناس بما تهوى قلوبهم، والثاني قد يخذل الحق الذي يدافع عنه بالاعتزاز الذي ينأى به عن اللطف والأدب.

(١٥) وفي الختام نقول إن في مؤلفات جوتا فكرًا كثيرًا يدعو إلى الفكر، وإن الحكم له بأقواله أصدق من الحكم عليه بأقوال نُقَّادِه، حتى وإن كان في أقوالهم بعض الحق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.