… لا زال بعض الجهلة ينسبوننا نحن أهل النوبة إلى البربرية مع أننا أبعد الناس عن هذه الصفة التي ترجع إلى الشعوب المتأخرة. فأرجو أن تتفضلوا ببيان أصل كلمة «بربري» ومعناها، وهل هي لاتينية أو عربية؟ وما أسباب إطلاق هذه الصفة علينا ظلمًا؛ إذ إننا لسنا من الشعوب المتأخرة، ولسنا من أهل المغرب، ولسنا من سكان مدينة «بربر» بالسودان؟

محمد وديدي، بمصلحة الميكانيكا والكهرباء

الكلمة في أصلها يونانية كان الإغريق يطلقونها على كل من لا يفهمون لغاتهم من الآسيويين والإفريقيين والأوربيين أمثالهم سكان بلاد الغال، والراجح أنها من «البربرة» التي تدل على الأصوات غير المفهومة.

وإذا كان لها أصل لاتيني — وهو غير بعيد — فربما كانت له علاقة بكلمة بارب أو بار Barb-Bar ولها علاقة بمعنى الحد الفاصل أو النهاية الحاجزة بين موضعين، ومنها اللحية لأنها الحد الدائر حول الوجه.

ومن الجائز — إذا كانت الكلمة لاتينية — أنها أُطْلِقَتْ على قبائل بلاد الغال؛ لأنهم كانوا يرسلون لحاهم وكان أكثر جنودهم ملتحين.

ولكن معنى الحد ظاهر في إطلاق كلمة بربر على الشعوب التي تسكن الحدود بين بلاد الحضارة وبلاد الهمج الذين لم يقتربوا من جهات المدنية.

لكن الاستعمال قد حصر معنى هذه الكلمة في الاختلاف باللغة وفي اللهجات اللغوية التي تتسم بالخشونة وتلحق من أجل ذلك بلغات الأمم غير المفهومة؛ ولهذا أطلقوها بعد القرن السادس عشر على الأساليب الجافية التي يعوزها الصقل وتنكرها قواعد البلاغة.

وقد استعملها بريسكوت للدلالة على الأمم الأمريكية التي لم تكن تفهم الإسبانية ولا الإنجليزية، فكان يُسمِّي دولة المكسيك ودولة البيرو وسائر الدول في أمريكا الوسطى بالدول «البربرية».

وكان اليونان الذين وصلوا إلى السودان يسمون الشعوب التي تعاقدوا معها بحلف «البقط» شعوبًا بربرية؛ أي شعوبًا تتكلم بلغة غير اليونانية وغير اللغة الشائعة إلى شمال الشلالات. وكلمة «البقط» إنما هي كلمة Pact منقولة إلى العربية بعد دخول الإسلام إلى البلاد.

وقد وردت الكلمة في كتب العهد الجديد من رسالة بولس الرسول الأول إلى أهل كورنثوس؛ فجاءت في الترجمة اليونانية «بربرية»، وبقيت بهذا اللفظ في الترجمة الإنجليزية على عهد الملك جيمس، وعاد أصحاب الترجمة المنقحة حديثًا فترجموها بأجنبية Foreigner، ثم تُرْجِمَتْ أخيرًا في الترجمة الإنجليزية الشعبية مفسرة بالذي يتكلم الهراء Telling nonsense.

أما الترجمة العربية فقد وردت فيها بالعبارة الآتية: «فإن كنت لا أعرف قوة اللغة أكون عند المتكلم أعجميًّا، والمتكلم أعجميًّا عندي.»

وقد دخل الغرب إلى شمال إفريقية وهي تُسمَّى برباري باللاتينية واليونانية مع اختلاف اللفظ قليلًا بين اللغتين، ودخلوا بلاد النوبة وهي تُسمَّى على ألسنة العامة بمثل هذه التسمية؛ حيث يُمنَع التفاهم بلغة واحدة.

والواضح أن الكلمة اللاتينية القديمة لم تكن تُطلَق على جنس من الأجناس، ولكنها كانت تعني اختلاف اللغة أو اختلاف الحضارة.

وإذا كان لأصل الكلمة علاقة بمعنى الحدود فربما كان هذا سببًا لإطلاقها قديمًا على بلاد الحدود الجنوبية، وربما كان اسم مدينة بربر نفسها مقصودًا بهذا المعنى؛ لأنها كانت في وقت من الأوقات على موقع الحد الفاصل بين مصر الجنوبية والدولة الإثيوبية.

والمعروف أن كتب التاريخ العربي تُسمِّي البلاد إلى جنوب الشلال الأول ببلاد النوبة، ولكن إطلاق اسم البرابرة عليها خطأ يجري على ألسنة العامة من بقايا اليونانية أو اللاتينية القديمة.

ومثله في الخطأ أن أبناء الصعيد الأقصى يسمون أبناء جرجا وأسوان بالبحاروة؛ أي: أبناء البلاد البحرية. وإن كان بينها وبين حدود البحر شوط بعيد.

ويرى السيد الوديدي أن الأوروبيين أنفسهم قد أصبحوا يعدلون عن كلمة البربرية إلى كلمة الأجنبية للدلالة على العجمة أو اختلاف الحضارة؛ فليس اسم البربرية اليوم صالحًا للدلالة على أمة من الأمم التي كانت تُطلَق عليها، وليس هو بصالح للدلالة على النوبيين إذا كان المقصود به معنى المجافاة للمدنية؛ لأن المشاهد من أخلاق النوبيين وعاداتهم أنهم أقدر من غيرهم على نظام الحياة المدنية، وحسبهم بذلك شاهدًا أنهم في خلال سنوات قليلة يستطيعون تعمير مساكنهم حيثما انتقلوا بعد تعلية الخزان، ونجاحهم في مراحل التعليم يطرد على نسبة نادرة بين تلاميذ مدارسنا في الجنوب والشمال، فلا تصدق البربرية كما وضعها الأقدمون على سكان بلاد النوبة بوصف من الأوصاف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.