كأنما كنا ملهمين أمسِ حين كنا نصوِّر حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدثه هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين، وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفُكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد!

كأنما كنا ملهَمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة، التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضِّر، والتي لا تشرِّف مصر ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.

نعم كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع، والتتبع للأهواء، فما كنا نقدر ونحن نعرض هذه الصورة أن نفوس هؤلاء الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكاتها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونُثِير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسلِّيهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشدُّ القواعد انحرافًا عن الإنصاف.

نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويُمْضِي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتمُّوا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا والله وحده يعلم كم ينتظرون! والله وحده يعلم ماذا ينتظرون! أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!

إن صوت الضعيف البائس قوي يهزُّ القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق، فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه؛ لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًّا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!

نعم هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في الألم، ويشكون ويُلِحُّون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذٍ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة، فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتُعفِيهم من كل قَيْد، وترقِّيهم وتزيدهم بغير حساب؛ لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!

وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم كبار؛ لأنهم مقربون من الوزراء والرؤساء؛ فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلِّق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاءً بين الأكفاء!

هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكِّنه هذه الفرصة من أن ينهب الأرض نهبًا ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط السباق!

هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليشتفي ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كلَّ واحد منهم جنيهين في كل يوم؛ أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه!

وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياضَ النهار، ثم يعودون إلى أهلهم وكثير منهم لا يدرون أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!

نعم؛ وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطَّر أكباد، وتتحرَّق أفئدة، وتسفح دموع؛ لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه، تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان، فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون لا يجدون ما يمكنونهم به من العودة إلى مدارسهم، وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب، قال للمجلس غير الحق، وغَرَّ المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصرَّ واستكبر استكبارًا!

نعم؛ وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان، وبالأمل في أن حالهم قد تُحَسَّن، فينتظرون والله يعلم كم ينتظرون وماذا ينتظرون.

أما الفلاح فيجب أن يكون أحسنَ الناس حالًا، وأنعَمَ الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا، يجب أن يقيم الزينات، ويدق الطبول، يجب أن يرقص — وإن كره وزير التقاليد الرقص — يجب أن يطرب، وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يُرِدْ أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات!

ولكن كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله يعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين، أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين، وهَمِّ المكروبين؟!

يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.