نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.

فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.

ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.

نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.

ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.

والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.

فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.

والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.

وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.

فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟

يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.

مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.

فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.

إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.

ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.

ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.

فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.

ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.