وُفقت الحكومة البريطانية إلى شيء من الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَةً في الخطأ؛ فقد اختارت الوزارة البريطانية وفدًا رسميًّا لمفاوضة مصر، وهي بالطبع لم تَخْتَرْ هذا الوفد إلَّا بعد إلحاح متصل شديد.

والقراء يذكرون أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد أعلنت — في ردِّها على المذكرة المصرية — أن محادثات تمهيدية ستُجرى بين الحكومة المصرية والسفير البريطاني في القاهرة، وأن المفاوضات ستتبع هذه المحادثات.

وكان المصريون ينكرون هذه المحادثات التمهيدية، ولا يَرَوْنَ حاجة إليها، أو قُل كان المصريون يعتقدون أن هذه المحادثات التمهيدية قد جرت وطالت، حتى أصبحت الرغبة في إطالتها نوعًا من المماطلة. وكان المصريون يَرَوْنَ كذلك أن إصرار بريطانيا العظمى على أن تَكِلَ الأمر إلى سفيرها في القاهرة أثناء المراحل الأولى للمفاوضات لا يخلو من بعض الاستخفاف بمصر، والنظر إلى طلبها في قليل من الاكتراث. فعُدُول الحكومة البريطانية عن موقفها ذلك إلى هذا الموقف الجديد، وإقدامُها على اختيار وفد رسمي للمفاوضات صوابٌ من غير شك، صواب بالقياس إلى المصريين لأنه يرضي كبرياءهم، ويُشعرهم بأن بريطانيا العظمى لا تريد أن تُظهِر استخفافًا بمصر، ولا أن تكون قليلة الاكتراث بما ينبغي لها من الكرامة.

وكان البريطانيون وبعض المصريين يذكرون أن مصر قد فاوضت المندوب السامي البريطاني سنة ١٩٣٦، ولا ينسَوْن إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن المندوب السامي في ذلك الوقت لم يكن سفيرًا ولا شيئًا يُشبه السفير، وإنما كان شخصًا ممتازًا له سلطات ممتازة فعلًا إن لم تكن ممتازة شرعًا، وله بحكم هذه السلطان مركز لا يشبه مركز السفير من قريب ولا من بعيد. ومهما يكُن من شيء فقد عدلت بريطانيا العظمى عن موقفها ذاك إلى موقف جديد، فكان في هذا العدول شيء من الصواب، وقد قلت إن بريطانيا العظمى وُفِّقَتْ إلى بعض الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَة في الخطأ، ويكفي أن ننظر إلى تكوين الوفد البريطاني، وإلى تكوين الوفد المصري للمفاوضات؛ لنتبين في وضوح وجلاء صحة هذه القضية. فالوفد البريطاني مؤلَّف من ثلاثة أشخاص لا أكثر، وأحد هؤلاء الأشخاص الثلاثة — وهو الرئيس — لن يحضر المفاوضات، ولكنه سيتصل بها من بعيد ويشهدها إن أتاحت له الظروف شهودها؛ فالوفد الرسمي البريطاني مؤلَّف إذن في حقيقة الأمر من شخصين اثنين: أحدهما وزير الطيران، والآخر سفير بريطانيا العظمى في القاهرة. أمَّا الوفد المصري فمؤلَّف من اثني عشر عضوًا لا أقل من ذلك. فهو إذن يزيد على الوفد البريطاني بعشرة أعضاء أو بتسعة أعضاء على أقل تقدير. وواضح جدًّا ما في هذا التفاوُت من الإسراف الذي لا ينبغي أن يُضاف إلى بريطانيا العظمى، وإنما ينبغي أن يُضاف إلى الحكومة المصرية، فهي التي تعجَّلت الأمر وألَّفت وفدها قبل أن تتبين اتجاه الحكومة البريطانية، وتتعرف وسائلها إلى هذه المفاوضات.

ولو أن رئيس وزرائنا صبر وصابَر حتى يقنع الحكومة البريطانية بوجوب العناية بالمفاوضات، وتأليف وفد بريطاني لها، وعرَف أنها ستؤلِّف هذا الوفد من ثلاثة أشخاص أو أقل أو أكثر؛ لَلَاءَمَ بين الوفد المصري والوفد البريطاني، ولاحتفظ لمصر بشيءٍ من الكرامة ما كان ينبغي أن يضيع. فأعضاء الوفد البريطاني أَكْفَاءٌ ممتازون ما في ذلك شك، ولكنهم ثلاثة أو اثنان سيضيعون بين هذا العدد الضخم من المصريين، وأكبر الظن أن مركز الوفد المصري الضخم سيكون غريبًا بالقياس إلى هذا الوفد الإنجليزي الضئيل، وأكاد أعتقد أن صدقي باشا سيجتهد في أن يحصر المفاوضات في لجنة ضئيلة من الهيئة المصرية يلائم عددها الهيئة البريطانية. وإذن فسيكون مركز الأعضاء الآخرين غريبًا حقًّا، سينتظرون حتى تكون الحاجة إلى دعوتهم، ويومئذٍ يدعون ليلقوا صدقي باشا والذين يعاونونه في المفاوضات، فيسمعوا منه ويقولوا له ثم ينصرفون ليستأنفوا الانتظار.

سيكون مركزهم كمركز الهيئة السياسية التي ألَّفها المغفور له الدكتور أحمد ماهر باشا، وكانت لها مع النقراشي باشا خطوب يعرفها رئيس الوزراء، وتعجُّل صدقي باشا في تأليف وفده الرسمي هو الذي اضطره واضطر مصر معه إلى هذا الحرج.

وأخرى يجب الالتفات إليها، وهي أن الوفد البريطاني مؤلَّف من أشخاص لكل منهم مركزه الرسمي في السلطة التنفيذية، مؤلف من وزيرين ومن سفير، على حين قد أُدخِل في الوفد المصري أشخاص ليس لهم مركز في السلطة التنفيذية المصرية، وأكثرهم ليس له عمل يتصل بهذه السلطة من قريب ولا من بعيد. ومصدر ذلك أيضًا تعجُّل صدقي باشا من جهة أخرى، ونظره إلى وراء لا إلى أمام من وجهة أخرى، فلو أنه انتظر حتى يرى كيف تُؤلِّف الحكومة البريطانية وفدها لَلَاءَمَ بين الهيئتين المتفاوضتين، ولَاكْتَفَى بنفسه ووزير خارجيته وشخص ثالث من الوزارة أو من هيئة رسمية، ولكان في ذلك ما يكفي ما دامت النتيجة ستُعرض على البرلمان آخر الأمر. وكان صدقي باشا تَعَجَّلَ من جهة ونظر إلى وراء، فأراد أن يؤلِّفَ جبهة كالتي كانت تؤلَّف من قبلُ، ومن جهة أخرى فلم يُوَفَّقْ إلى تأليف الجبهة ولا إلى تمثيل الأمة في هيئة المفاوضات، ولكنه خيل إلى نفسه وإلى الإنجليز أنه لا يفاوض باسم الحكومة وحدها، وإنما يفاوض باسم الحكومة والشعب معًا، وظاهرٌ ما في هذا من الخطأ وظاهرٌ ما فيه من الضرر أيضًا.

فصدقي باشا يعلم والإنجليز يعلمون — وزملاؤه المصريون في المفاوضات كذلك — أن هيئة المفاوضات المصرية لا تتكلم باسم الأمة المصرية، وإنما تتكلم باسم الحكومة وبلسان الأعضاء الذين يؤلِّفونها. فأمَّا كلمة الشعب المصري فسيقولها البرلمان إذا انتُخِب حرًّا وعُرِضَتْ عليه نتيجة المفاوضات.

وثالثة لعلها أن تكون أشدَّ خطرًا من كل ما مضى، وهي أن الحكومة البريطانية قد أَلحقت بوفدها الضئيل عددًا ليس به بأس من المستشارين العسكريين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد. وهي لم تنشئ هذه الهيئة من المستشارين عبثًا، وإنما أنشأتها لتستعين بها في دقائق المفاوضات، فهل أنشأ صدقي باشا بإزاء هذه الهيئة هيئةً مصرية من المستشارين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد؟ ومَن عسى أن يكون أعضاء هذه الهيئة المصرية؟

والشيء الخطير حقًّا هو هذه العناية التي تُظهرها بريطانيا العظمى بالشئون العسكرية في البر والبحر والجو؛ فإن موضوع المفاوضات — فيما نعلمُ — هو الجلاء عن مصر والسودان، لا تنظيم شئون الحرب البرية والبحرية والجوية في مصر والسودان.

ولسنا نعلم أن البريطانيين والفرنسيين قد فاوضوا إخواننا اللبنانيين والسوريين على هذا النحو حين فاوضوهم في الجلاء عن ديارهم؛ فالجلاء لا يحتاج إلى كل هذا العناء، وإنما هو أمر يصدر إلى القوات البريطانية للرحيل بعد أن ينظم هذا الرحيل تنظيمًا فنيًّا يحدد أوقاته ووسائله. ففيمَ إذن كل هذا العناء، أليس يمكن أن يكون البريطانيون يريدون أن يفاوضوا وفد مصر في تنظيم الدفاع عن مصر. وفي تنظيم الدفاع كلام كثير، فإذا كان هذا الدفاع مقصورًا على مصر؛ فما ينبغي للبريطانيين أن يسألوا عنه ويشاركوا في تنظيمه الآن، وإن كان هذا الدفاع مشترَكًا بين مصر وبريطانيا العظمى فما لهذا تجري المفاوضات. وليس هذا هو الجلاء؛ فالخطر المخيف حقًّا والذي ينبغي أن يحتاط له صدقي باشا أشدَّ الاحتياط، وأن يتنبه له الشعب المصري أعظمَ التنبُّه؛ هو تدخُّل الإنجليز الآن في تنظيم الدفاع عن مصر، وحمايتها من غارة خارجية، فليس ذلك من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، ونحن إنما نفاوض لنُقنِعَهم بأن ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أوَّل الأمر. فإن احتاجت إلى معونة؛ فسيكون ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أول الأمر، فإن احتاجت إلى معونة فسيكون ذلك من شأن هيئة الأمم المتحدة، فبريطانيا العظمى حين تُفاوِضُنا في شئون الدفاع عن مصر، إنما تدخل فيما لا يعنيها، تتطوع بما لم يَدْعُهَا أحد إليها، وتُنِيب نفسها عن مجلس الأمن دون أن يعطيها مجلس الأمن إذنًا بهذه النيابة.

على هذا النحو يفهَم المصريون مسألة الجلاء، ويحبون أن تفهمها حكومتهم كما يفهمونها، فما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديثَ قواعد في البر أو في البحر أو الأسطول من أساطيل الجو. وما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديث الاشتراك مع البريطانيين في الدفاع عن مصر، فكل هذه أمور تعني مصر وحدها، والتدخُّلُ فيها إهدار للاستقلال.

وقد يُقال إن مصر في طريق الهند، وإن بريطانيا العظمى في حاجة إلى حماية مواصلاتها. ولكن مصر ليست وحدها في طريق الهند، ففي طريق الهند بلادٌ كثيرة، وما أظن أن بريطانيا العظمى تطمع في أن تحتل كل البلاد التي تقع في طريق الهند، أو تعرض مواصلاتها لخطرها. والشيء المهم هو أن مصر تريد أن تفاوض في الجلاء وفي وحدة وادي النيل، لا في الدفاع عن وادي النيل ولا في حمايته من المعتدين، فلهذه المفاوضات وقت آخر، ولها هيئة أخرى تستطيع مصر أن تتجه إليها إن أرادت أو احتاجت؛ وإذن ففيمَ هذه الهيئة الضخمة من المستشارين في حرب البر والبحر والجو.

هذه هي المسألة التي يجب أن يفكر فيها المصريون دائمًا، وألا يَغفُلوا عنها ساعة من ليل أو ساعة من نهار. وهذه هي المسألة التي يجب ألَّا يُشغل المصريون عنها بما يساق إليهم من القول، وبما يُقَدَّمُ إليهم من الوعود، وبما يُبذَل لهم من التلطُّف. فقد عينت بريطانيا العظمى وفدًا لمفاوضة الوفد الرسمي المصري، فأرضت الكبرياء المصرية، وإرضاءُ الكبرياء المصرية خير ليس في ذلك شك، ولكنَّ خيرًا منه إرضاء الحقوق بردِّها إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.

وهناك مسألة أخرى تُلقى هنا وهناك، أتَتِم المفاوضات في القاهرة أم تَتِمُّ في لُندرة؟! ولست أعرف سؤالًا أسخف من هذا السؤال؛ فالذئب قد يدعو الحمَل إلى أن يسعى إليه ليأكله، والذئب قد يسعى بنفسه إلى الحمَل ليأكله دون أن يكلفه مشقة الانتقال إليه. فلتجتهد مصر في ألَّا تكون حَمَلًا يأكله الذئب البريطاني في القاهرة أو في لُندرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.