نشرناها مفرقة أثناء الشهر الماضي، وألححنا على الوزارة في أن تقف عندها وتُحدِّثنا برأيها فيها، وكررنا النشر والإلحاح فلم يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، ولم يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه. ثم جمعنا بعضها ونشرناه أمس، وما زلنا ننتظر أن يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، أو يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه، ويظهر أن الله عز وجل، سيقضي على الوزارة بالصمت الذي تنعقد له الألسنة، والسكون الذي تكف له الإرادة عن العمل والحركة، وسيَضطرها إلى هذا النوع من الإعراض الذي لا يشرف صاحبه مهما يلتمس له من التفسير والتأويل؛ فالوزارة مضطربة أمام هذه الأسئلة بين موقفين لا ثالث لهما فيما يظهر، فإما أن تكون مفحمة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف كيف تقول؛ لأن ما نسأل عنه قد وقع بالفعل، وإما أن تكون متعالية، تتكلف الإعراض، وتتصنع الإغضاء، وتزعم لنفسها أنها أكبر من أن تحفل بهذه الأسئلة وأرفع من أن تنزل إلى الإجابة عنها، وكلا الموقفين شر، وكلا الموقفين لا يشرف الوزارة التي تدفع إليه. وكلا الموقفين لا يجعل الوزارة أهلًا لرضى الناس، ولا موضعًا لثقتهم، ولا خليقة أن ينتظر منها النصح والخير. ذلك أن هذه الأسئلة إن صحت لم تدل على أقل من أن الوزارة تستبيح منافع المصريين فتعبث بها. وتستبيح حقوق المصريين فتضيعها وتستبيح حرمات المصريين فتنتهكها انتهاكًا، وما رأيك في وزارة تعبث بالمنافع وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات، هي وزارة لا يُكتفى أن يقال إنها خليقة أن تستقيل، بل يجب أن يُقال إنها خليقة أن تُقصى عن الحكم إقصاء وأن تحتمل تبعة ما يضاف إليها من السيئات.

وإذا لم تكُن هذه الأسئلة صحيحة، ولا مطابقة للحق، ولا مصورة لما وضع، فصمت الوزارة عليها وإغضاؤها عنها شر لا يشرفها ولا يجعلها أهلًا للحب والثقة وانتظار الخير. فهي في هذه الحال لا تؤثِر الصمت إلا إيثارًا للكبرياء، وتكلُّفًا للعزة وارتفاع المنزلة، وما ينبغي لوزارة تزعم أنها تحكم في بلد ديمقراطي حكمًا ديمقراطيًّا أن ترتفع عن الشعب أو تكبر عليه، أو تغض عما يوجه إليها من سؤال، أو تعرض عمَّا يضيف إليها من سيئة. فهي لم تقم إلا لتخدم الشعب، فإغضاؤها عن سؤال الشعب إليها ومحاسبة الشعب لها خروج عن الواجب الذي قامت لأدائه والنهوض به، وتجاوُز للحق الذي يفرضه عليها المنصب الذي تشغله، والأجر الذي تقبضه، والجاه الذي تتمتع به، والسلطان الذي تستطيل به على الناس، وليس عزيزًا من يصطنع العزة في غير حقها، وليس كبيرًا من يتكلَّف الكبرياء في غير موضعها، ومهما يستعلِ الخادم على سيده فهو خادم دائمًا، ومهما تستعل الوزارة على الشعب فهي وزارة دائمًا، يؤجرها الشعب لتخدمه لا لتستعلي عليه.

ذلك إلى أن صمت الوزارة سواء أكان نتيجة للعجز أو نتيجة الكبرياء لا يلائم منفعتها العاجلة الخاصة، حتى إذا لم تكُن ديمقراطية، ولا محبة للديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكم أن يقبح فيه رأي المحكوم، وليس من منفعة الوزارة أن يسوء بها ظن الناس. وكل حاكم مهما يكُن قويًّا، معتزًّا بقوته الخاصة، أو بغير قوته الخاصة، في حاجة إلى أن يرضى الناس عنه، أو إلى أن يُظهر الناس رضاهم عنه، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى أن يتكلَّف — إذا لم يستطع — أن يسير بالفعل سيرة المنصف العدل المتواضع الذي لا يحب جورًا، ولا ظلمًا، ولا إسرافًا، ولا تكبرًا. فأين وزارتنا من هذا كله حين نسألها عن الشر المنكر، يقال: إنه وقع، فلا تجيب، ثم نعيد السؤال فلا تجيب، ثم نعيد السؤال مرة أخرى فلا تجيب، أمتحرية هي منافع الشعب؟ أمتحرية هي منفعتها الخاصة، أم لاهية هي عن منافع الشعب وعن منافعها الخاصة بما هو أهون خطرًا وأيسر شأنًا، وبما لا ينبغي أن يشغل به الوزراء من صغائر الأعمال؟

والغريب أن هذه الأسئلة التي نشرناها مفرقة ثم مجتمعة لا تمس هينًا من الأمر، وإنما تمس شئونًا هي من أعظم شئون الحياة المصرية خطرًا. بعضها يمس حقوق المصريين في الحرية المقدسة، وحرمات المصريين من حيث هم أشخاص كرام، يحميهم القانون والدستور، من أن يمسهم ظلم أو عدوان، فهل عذب المصريون في ميت غمر وأخميم والسنبلاوين؟ وإن كانوا قد عُذِّبوا فمن عذَّبهم، وبأي حق عذبهم؟ وعلى أي أصل من أصول القانون والدستور اعتمد في تعذيبهم؟ وما جزاء الذين يعذبون المصريين وتعذيبُهم إثم؟ وما جزاء الذين يتولون الحكم ويرون هذا الإثم ثم يُعرضون عنه ويسكتون عليه؟

ومن هذه الأسئلة ما يمَس حقوق المصريين في المناصب المصرية، وهي حقوق يكفُلها الدستور، ويسجل كفالته لها تسجيلًا صريحًا. فهل أُوثِرَ الإنجليز على المصريين بالمناصب في غير حق، وبغير علة، وعن عمد قبيح؟

وإذا كان هذا حقًّا فما جزاء الوزير الذي يخالف نص الدستور، ويهضم حق مواطنه، ويؤثِر الأجنبي على ابن الوطن؟ وما جزاء رئيس الوزراء الذي يرى هذا من أحد زملائه فيغض عنه ويسكت عليه، ومنها ما يمس أموال الدولة ومناصبها والتحكم في إنفاق هذه الأموال وفي شغل هذه المناصب؟

فهل وقع ما أشرنا إليه من قصة مدير الأملاك، ومن قصة ذلك الرجل الكبير الذي احتال على الدولة في قطعة من أرض الزمالك فاشتراها لأهله ثم ردها ثم اشتراها على أن يدفع ثمنها مؤجلًا، ثم عجَّل الدفع، واستفاد مائتين من الجنيهات، وإذا كان هذا قد وقع فما جزاء وزير المالية الذي يرى العبث بأموال الدولة فيغضي عنه ويسكت عليه؟

لا تجيب الوزارة على شيء من هذا؛ لأنها عاجزة عن الجواب، وما ينبغي للوزارة العاجزة أن تبقى في الحكم، أو لأنها أكبر من أن تنزل إلى الجواب وما ينبغي للوزارة المتكبرة أن تبقى في الحكم.

وأغرب من هذا كله أن نذكر حين كنا نحاكم أمام القضاء في قصة التبشير منذ أقل من شهرين؛ فكانت النيابة تقيم الحجة علينا وتلح في إقامتها وتملأ فمها بأننا تعجلنا وكان من حقنا أن نستأني، وأضفنا إلى الوزارة أشياء وكان من الحق علينا أن نسألها، وكان القضاء في حوارهم، يرون أن هذا حق، وأن الواجب أن يسأل الوزراء قبل أن تضاف إليهم الحوادث والأعمال، وكنا نقول للنيابة، ونقول للقضاء إنَّا نَسأل فلا نُجاب، فكانت النيابة تُظهر الشك في ذلك، وكان القضاة يرون هذا بعيدًا غير معقول، فنحب الآن أن ترى النيابة وأن يرى القضاة أنَّا نسأل فلا نجاب وأنَّا نلح في السؤال فلا نجاب، وأنَّا ننشر الأسئلة مفرَّقة ومجتمعة فلا نُجاب. ونحب أن تذكر النيابة هذا، وأن يذكره القضاة أيضًا، فقد يكون من الخير أن تعرف النيابة ويعرف القضاة أن موقف الصحافة من هذه الوزارة ليس بالموقف الطبيعي الذي تجري عليه أحكام المنطق والعقل والعُرف المألوف، وإنما هو موقف غريب، يسأل الصحفي فلا يجاب، فإذا وجدت الوزارة عليه سبيلًا ولو ملتوية معوجَّة، دفعته أمام القضاء دفعًا، وسلطت عليه ما يمكن وما لا يمكن من ضروب الإعنات.

أما بعدُ، فهذه أسئلة قائمة ما زالت تنتظر الجواب، وعندنا أسئلة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا، نشر بعضها وسيُنشر بعضها الآخر عمَّا قليل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.