هو هذا الذي تتعرَّض له القاهرة منذ أيام، ظَهَرَتْ بوادرُه يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء، وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.

وقد نُوفَّق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن خطرًا عظيمًا قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه ولا يفلتون منه.

فإذا بحثتَ عن مصدر هذا الخطر ذكرَتِ الوزارةُ إهمالَ جماعة من الموظفين المسئولين عن بعض الأدوات سؤالًا مباشرًا، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقَفَتْ بعضَ هؤلاء المسئولين عن العمل، ونقَلَتْ بعضَهم إلى عمل آخر، وانتقصَتْ نصفَ شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلَتْ أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مَضَتْ تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.

وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة فيما اتخذت من إجراء وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضًا أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها، وإسراعها في مواجهة الخطوب.

ولكن من الحق على الوزارة أن تبيِّن للناس أمورًا تحتاج إلى البيان؛ فهؤلاء الموظفون الذين عُوقِبوا لم يُهمَلوا إلا لأنهم وجدوا سبيلًا إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلًا إلى الإهمال؛ لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاونًا عامًّا، وتقصيرًا شاملًا، وكسلًا مطبقًا؛ فتهاونوا فيمن تهاونَ، وقصروا فيمن قصَّر، وكسلوا فيمن كسل.

وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وإن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحدًا من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية، بعضهم يستريح في إجازة وبعضهم يستريح في عمل قد نُدِب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين على ساحل الإسكندرية الجميل؟!

وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام وهم يستريحون إذا أقبل الصيف. وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهدًا ولا مالًا، وإنما يُتاح لأصحابه على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.

ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضًا ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان من دواوين الحكومة في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس ومرافقهم لأقبح الأخطار.

وأخرى لا بد أن تبيِّنها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القِطَع لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم؟!

أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهدًا على الأيام بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة وما تَقْدِر عليه من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب؛ فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء، إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يُدفَعوا إليها من لحظة إلى لحظة دون أن يَجِدوا من يَرُدُّهم عنها أو ينقذهم منها.

كلا؛ ليست هذه سِيرة الحكومات التي تَعْرِف معنى الحكم، وتُقدِّر واجباته، وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.

إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاحُ الفاسد وردُّ الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم. ومن الجائز جدًّا أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن.

وتبعة هذا الشر العظيم لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عُوقِبوا أو سيُعاقَبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدُّوا العمل الذي يُؤجَرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يُؤتمَنون عليها.

هؤلاء هم المسئولون وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يُسأَلوا ولن يُحاسَبوا، ولن يُغيِّروا من سِيرتهم شيئًا، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية حتى يَعُود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردَّد كبار الموظفين وصغارهم بين القاهرة والإسكندرية بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماسًا للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء! …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.