الإيمان بالعمل هو الذي يجعل منه قيمة اجتماعية وإنسانية رفيعة، هو الذي جعل العاملين من أبناء الأمم المتقدمة أمثلةً عاليةً للمثابرة وغزارة العطاء. ويتكوَّن الإيمان بالعمل بفضل عاملين؛ هما: التربية للناشئين، والمعاملة مع الناضجين. فالتربية تُمِدُّنا بخبرة المُرَبِّين، وذخائر التراث، والقوة المؤثرة. أما المعاملة فهي تربط بين العمل والاجتهاد عند الاختيار وعند الترقي ولدى توزيع الحوافز.

ولقد تعرَّضَتْ قيمة العمل في بلادنا للآفات والعلل؛ إذ جَرَت السياسة طويلًا على تعيين الخريجين، بصرف النظر عن حاجة العمل إليهم، ووُزِّعَت الحوافز والعلاوات بطريقة روتينية، لا بناء على عطاء العامل وهمته، واختارت للمراكز المرموقة والدرجات الممتازة المُقَرَّبين، مُفَضِّلةً أهل الثقة على أهل الخبرة. وهكذا وجد الشباب أن مصيره يتقرر ومستقبله يتحدَّد لأسباب لا علاقة لها بالجد والاجتهاد والإنتاج الحقيقي، فأخَذَ إيمانُه بالعمل يَهِن ويتلاشى، وثقته في السعي والانتهازية تَقْوى وتشتدُّ؛ حتى تفشَّى المرض في الطلاب منذ عهد البراءة، فتركَّزَ الاهتمام بالشهادة وقَلَّ الاهتمام بتحصيل العلم، ودخلنا في عصورٍ سقيمةٍ من الغشِّ الجماعيِّ والاعتداء على المراقبين. لم تَعُدْ هناك أهمية لغير الشهادة كجواز مرور إلى الوظيفة، ولا حاجة إلى علم أو خبرة؛ فالوسائل الصفراء الأخرى تتكفل بكل مأمول.

إن فقدان قيمة العمل يُحَوِّل الفرد من عاملٍ إلى انتهازي، ويُهْدِر قُوَى الإنتاج، ويُوَفِّر أسبابًا كثيرة للتعاسة.

يجب أن نُعِيدَ إلى العمل قِيمتَه، والطريق واضحة؛ فالتربية الصالحة ممكنة، والمعاملة التي تقيم اختيارها على أساس من الجد والاجتهاد وحسن الأداء ليست مستحيلة، وهي ضرورة لازمة للدخول في العالم الجديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.