للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.

وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.

ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.

فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»

ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.

وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.

ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.

ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.

وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.

ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.

فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.

ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.

ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.

ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟

ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.

هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.

والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.

حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.

إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.

وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.

نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.

وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.

أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.