مصريتان تتقاضيان وتترافعان

نتكلم عن اليقظة النسوية في مصر من وجه أو وجهين أو ثلاثة، ونجعل لها عنوانًا ثابتًا كأنما هو نقش في النحاس، فنرى فيها ما نرى من خير وشر. والواقع أن هذه اليقظة تبدو في خير المظاهر وأصدقها بهذه الألوف المؤلَّفة من تلميذات المدارس، أفواج من الناشئة النسوية تخرج من المعاهد مثقَّفة متعلِّمة عامًا بعد عام، فتنشر في محيطها ما تلقَّته من المعلومات، وتحقق في حياتها وحياة الذين يتصلون بها الفائدة العلمية التي حصَّلَتْها من قبلُ نظريةً، فبفضل هذه الأفواج وبفضل تأثيرها، ستكون الأجيال التالية أتمَّ استعدادًا للعلم والاستفادة، حتى إذا ما عادت إلى المنازل التي منها خرجت، لم تجد في محيطها ما يُطفِئ نورها ويجعل الثقافة الفردية مهزلة مفجعة.

و«ستتدوزن» الأجيال المتوالية في التوفيق بين معلوماتها وحاجات محيطها ومطالب زمنها، فلا تنقضي أعوام معدودة إلَّا وفي مصر حصاد إنساني يملأ البلاد خيرًا وجمالًا.

لو قيل لقاسم أمين يوم كانوا يحملون عليه ويكافحون دعايته ويرمونه بالتضليل والباطل — إن بعد ثلاثة عقود من صدور كتابه ستقوم سيدتان مصريتان مسلمتان بالدفاع كل عن قضيتها بنفسها أمام المحاكم الأهلية، لو قيل له ذلك لما كان أبدى شيئًا من الدهشة والتردد في التصديق، إذا كان عليمًا — ولقد كان — بسر التطور الاجتماعي الذي عبثًا تحاول تقييده، ولكن المؤلم أن يكون المرء على حقٍّ فيُضطهَد في سبيل ذلك الحق، ولا يقابل من القوم بالتصديق إلا بعد رحيله عن الدنيا بأعوام … وليس له من تعزية في حياته سوى التفكير أن الرأي الفردي لا أهمية له إلا من حيث هو حادث متحقِّق في المجموع فيما بعدُ … حقيقة هذه، ولكن كم هي أليمة!

وسام للكونتس دي نواي

تناقلت الصحف هذا الأسبوع صورة الكونتس ماتيو دي نواي، مع الخبر بمنحها وسامًا فرنسيًّا رفيعًا، ومع تقديم المفروض من الاحترام لما يراد من معنى الأوسمة والإنعام بها، لا نتردد في القول إن الوسام لن يرفع من مكانة هذه الشاعرة المبدعة، كما أنَّ عطل صدرها من الأوسمة لم يكن يُنقِص من شأنها.

هل الكونتس دي نواي «كاتبة»؟ هذا ما لا أعرفه إلى الآن، رغم ما قرأته عن كتبها الثلاثة أو الأربعة الموصوفة بأنها روايات، وما كلٌّ منها في تقديري سوى قصيدة نثرية، تشغل عدد الصفحات المقرَّرة لدى الناشرين لتؤلف رواية، بَيْدَ أنها الشاعرة كل الشاعرة، أعني أنها الشاعرة في صيغة الرَّوِيِّ والقافية، ولو أنها من الشعراء العصريين الذين تملصوا بوجه عام من قوالب النظم القديمة، على نحو ما قررها «بوالو»، وسبكها كوناي وراسين وموليير وغيرهم، وإن يكن ذوقها الحسن وطبقتها الفنية قد صاناها من كثير من المجازفات الحديثة التي لا يأنفها اليوم حتى ولا بعض أعضاء الأكاديمية الفرنسية.

ولئن بدا شيء من التعصب الجنسي (الرجالي) في عدم الإقدام على إنالتها في الأكاديمية الكرسي الذي تؤهِّلها له مواهبُها، فإن أهل الثقافة الفرنسية ينظرون إليها بحقٍّ كأعظم شاعر فرنسي في الوقت الحاضر.

قلتُ أعظم «شاعر» لا أعظم «شاعرة»، مع العلم بأن هذه السيدة رومانية الأصل، وفي هذا مقياس وأيُّ مقياس لعلو الثقافة الفرنسية ولنبلها في الإنصاف.

وتنزل بالكونتس المليحة مصائب أدبية عدة، بعضها يرجع إليها شخصيًّا، وبعضها يهاجمها به فريقٌ من «المعجبين» الذين يَأْبَون إلا تحليل شخصيتها، فتجيء نتيجة التحليل على نقيض الصورة الأصلية … وهناك من يطمعون في تقليدها، وهذا شيء مرير، وأمرُّ منه تشبُّث بعضهن بفتيت من خيالها وانتحال نثرات من شاعريَّتها، ليزعم أصدقاؤهن أنهن نسخ أخرى من مدام دي نواي، وهناك مصائب أخرى!

أما هي فتعرف نفسها بأنها ذات الأَلْف أَلْف وجه، وذات «القلب الذي لا يُحصَى»، هي روح فيحاء تأخذ بوحدة الوجودPantheisme ليس كنظرية أو يقين، بل كنتيجة لاختباراتها الشعرية وحياتها الوجدانية المتوزعة على كل ما يُرَى، المتغلغلة في كثير مما لا يُرَى. هي اللغز الإنساني الذي يواجه من الكون العظيم لغزًا حافلًا بما لا يعد من الألغاز، فلا تفتأ تسأل العالم: «ما أنت، يا هذا العالم، وماذا تبتغي مني؟» فيفضي بها الاستفهام والحياة في طلب الجواب إلى حالة زاخرة بالحزن وخيبة الأمل، ولكن التعبير عن هذه الحالة شِعْر لم يعرف تاريخ الأدب الفرنسي ما هو أحفل منه بالثروة الخيالية الملامسة للواقع، والبيان المبتكَر في تلوين وعزيف وإنشاد، والعاطفة العميقة الوجيعة المرجعة جميع الأصوات وجميع الأصداء، والهتاف الغنائي الحماسي المجنح بأجنحة الغيوب، الضارب على كل ما عالجته الأجيال من الأوتار.

هجعت بافلوفا الرشيقة

كآبتها سحرية غنية من ذلك النوع الذي كانت تثيره بافلوفا عندما تمثِّل في رقصها «موت البجعة»، وحبذا لو نفحنا علماء اللغة بكلمة أجمل من هذه نسمي بها (Eygne). هذه الرقصة ترقصها الآن كثيرات من الراقصات، ولكنها كانت آلِف ما تكون وسليقة بافلوفا الفنية، وربما كانت هذه النزعة إلى الكآبة ناجمة عن أصلها السلافي الروسي الذي يقرِّبها من مدام دي نواي، والمطَّلعون على النتاج الروسي سواء في الأدب والشعر والموسيقى خصوصًا والتصوير، يعرفون أنها جميعًا تحمل طابعًا مشتركًا من بُعْد الغور والكآبة.

ولقد كانت بافلوفا وجوقتها من أفعل العوامل في ترقِّي الرقص الأوربي الحديث، الذي أصبح فنًّا رائعًا يتعاون والموسيقى الكلاسيكية على تمثيل الحالات النفسية بل والأحوال الجوية أيضًا، تمثيلًا دونه الفن الكتابي في النظم والنثر، وقد شهدنا في الأعوام السابقة عدة جوقات أوربية على مسرح الكورسال تبدع من هذا النوع من الرقص، وتأتي فيه بضروب من الجمال المتناهي والروعة الوصفية مما ينسينا رقص الأزواج المتخاصرة في كل سهرة وكل حفلة وكل استقبال، على جلبة الجازباند ذات الدوي والنعيق والصليل والعربدة الشيطانية.

وفاة نائبة إنجليزية

قوة الدكتورة إيثل بنثم العضو بمجلس العموم البريطاني المتوفَّاة في هذا الأسبوع، كانت مستمدة من يقينها أنها كانت تعتقد بافتقار المرأة إلى أن تتحرَّر نظريًّا وعمليًّا، وكان نشاطها في الدوائر الاجتماعية متوافقًا ويقينها ذاك، فقامت بالخدم الجُلَّى نحو المرأة والطفل والفتاة العاملة في مختلف أدوار حياتها، يساعدها في ذلك حنانها الطبيعي وثقافتها الواسعة ومهنتها الطبية ومقدرتها الخطابية، ولما كانت تقول بالمساواة السياسية بين الجنسين، كان من البديهي أنْ تعتنق أقرب المذاهب السياسية إلى تحقيق رأيها، أيْ مذهب الاشتراكية.

مدام كولونتاي والسلك الديبلوماتيكي

هل هي سمعت قبل وفاتها شيئًا عن مدام كولونتاي السفيرة الروسية لدى إحدى دول الشمال؟ لقد ابتهجت النساء لتعيين امرأة هي أول المبعوثات السياسيات في عصرنا، غير أنه لم يَطُلْ أن انقلب الفرح إلى شيء من الترح؛ حيث استدعت حكومة السوفيت سفيرتها الجميلة من منصبها، وأخذن يتساءلن عن السبب، والأنباء تقول مرة إن المبعوثة انتقدت بشدة غير دبلوماتيكية أحد زعماء السوفيت في حين كان مركزها يقضي عليها بحفظ لسانها وكتمان آرائها الخاصة، ومرة تزعم الأنباء أن السفيرة تعيش في ترف وبذخ لا يتفق ومبادئ الشيوعيين الروس.

نجهل السبب الحقيقي الذي قد يكون أحد هذين، وقد يكون غيرهما، أفنصدِّق إذن رأي الرجال في علاقة النساء بالدبلوماسية؟ وهو الرأي الذي يلخصه لنا الأستاذ محمد وجيه بك في كتابه الممتع عن الدبلوماسية الحديثة المنقول عن الفرنسية، حيث نقرأ صفحة ٤٧:

… نعم، لا شك في حصول المرأة على بعض الصفات مما ذكرنا فيما تقدَّم، مثل حسن الذوق ودقة الملاحظة لدرجة تفوق فيها الرجل، ولكن الرجل يمتاز عليها من ناحية التروي وضبط النفس، ولا يمكن أن يكون الحال غير ذلك ما دام للعواطف والميول الشخصية أثر كبير في حياة المرأة؛ لذلك لا يرضى المبعوث المتزوج بأن تشتغل زوجته بالسياسة إلا في الأحوال النادرة جدًّا، وهذا لا يمنع من قيامها عند المناسبة بإذاعة أمر عمدًا لمعرفة ما يحدثه من الأثر، أو أن تعمل على ترويج فكرة معينة بذاتها، أما المهام الكبيرة المعقدة فمن الخطر أن يعهد بمثلها إليها …

من هذا يتبين أننا لا نحبذ تعيين النساء في الوظائف الدبلوماسية، أو على الأقل في المراكز الرئيسية؛ إذ قد تصلح المرأة إذا اقتضى الحال للقيام بوظيفة سكرتيرة، والتجارب التي عُمِلت إلى اليوم في هذا الشأن لم تصادف نجاحًا، بل تبيَّنَ منها أن ميدان السياسة الداخلية أصلحُ لمجهودات المرأة من الدبلوماسية، وبالإجمال فإنه لا مصلحة للحكومات في قلب العادات المستقرة منذ قرون، وفي التعرض للسخرية مع وضع ممثلها (المرأة) في مركز حرج …

هذا رأي يؤيده فيه رجال كثيرون كما نعلم، على أننا لا نبغي هنا إثبات صلاحية المرأة للمراكز الدبلوماسية وغيرها، أو تقديم الأدلة على مقدرتها في ضبط عواطفها كما شهد بذلك الذين رأوها طبيبة وممرضة وجرَّاحة وقاضية وطيَّارة وغير ذلك، ولكن نقتصر على إبداء هذه الملاحظة، وهو أنه يحدث لكثيرين من الممثلين السياسيين مثل هذا الحادث، فيُنسَب ذلك إلى خطأ شخصي صدر عنهم، وأما إذا ارتكبت مدام كولنتاي ذلك الخطأ، فالرأي العام لا يرى فيه هفوة شخصية فردية، بل يقول عن الجنس النسوي كذا وكذا …

ولكن هو الرجل الذي يقول، والرجل كما نعلم حَكَم عادل …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.