جلس بجوار النافذة، ونظر إلى السماء القاتمة كأنه يرى فيها صورة نفسه، ثم أطلق زفرة من بين جوانحه وقام يتمشَّى في الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم أمسك بكتاب قرأ على صفحته الأولى هذا العنوان: «مبادئ القانون المدني». وما لبث أن ألقى به على الخوان وهو يقول ساخرًا: «مبادئ القانون المدني، مبادئ القانون المدني.» وكان قد وفد إلى باريس منذ أشهر عديدة، وسكن في الطابق الثالث من دار شاهقة في شارع السربون، واقتنع بغرفته الصغيرة وتلك النافذة التي كان يرى منها معهد السربون تفد إليه الطلاب في كل صباح، وبينهم الغانيات ذوات العيون الناعسة والقدود الممشوقة.

جاء إلى باريس ليدرس الحقوق، وما كان بنفسه ميل لعلوم الشرائع، ولكن والده لم يسمح له بمغادرة القاهرة إلا ليلقي بنفسه في أحضان تلك العلوم. فسافر وفي قلبه غصة، ولكنه وطَّد النفس على الدأب والعمل، جامعًا بين علوم الحقوق التي كانت تجشم نفسه ما لا تستطيع احتماله وبين علوم الآداب التي يرى فيها مسكة الأمل وقرة العين.

وأحب الأسرة التي كان يعيش معها حبًّا جمًّا، وامتزج بهم امتزاج الماء بالراح بعد أن وجد فيهم قومًا من أكرم أرومة، ولكنه كان إذا فكَّر في علوم الحقوق يربد وجهه وتختلج أعضاؤه، ويَهِيم في سماء التفكير. ولقد كان هذا شأنه في ذلك اليوم. فلما ألقى بكتاب مبادئ القانون المدني على الخوان لبث هنيهة يفكر، ثم حادث نفسه قائلًا: «نسيت أني على موعد مع صديقي ألبير ديباس لنذهب سويًّا إلى دار مدام ماريون حيث تقام حفلة راقصة.» وهبَّ إلى خزانة ملابسه، وأخرج منها بدلة سوداء وقميصًا أبيض اللون وحذاءً أسود لامعًا، وبعد أن ارتدى هذه الملابس سمع دقًّا على باب غرفته، فأذن للطارق بالدخول، وإذا به يرى خادمة المنزل تقول له: لقد أُعِدَّ طعام العشاء يا مولاي.

– ها أنا قادم.

وخرج من غرفته قاصدًا غرفة الطعام، والتقى فيها برفقائه النزلاء، وجلسوا جميعًا حول المائدة يأكلون ويتسامرون. فلما فرغوا من تناول الطعام أشعلوا لفافات التبغ، وقامت المدموازيل ماري إلى البيانو وعزفت عليه دورًا لبيتهوفين؛ فصفَّقَ الجميع إعجابًا ببراعتها ونبوغها، ودقَّ باب المنزل، ففتحه الخادم، وإذا بشاب وضَّاء الطلعة نحيف القوام طويل القامة أبيض اللون تدلُّ حركاته وسكناته على طيبة قلبه قد دخل عليهم وهو يبسم، وحيَّا الجميع تحيةً جميلةً، ثم التفت لصديقه المصري وقال: لقد آن الوقت يا حسن. هيا بنا.

– هيا بنا يا ألبير.

وخرجا من الغرفة. فلما وصلا إلى الشارع قال ألبير: أتركب عربة أم تسير على الأقدام؟

– بل نسير على الأقدام. وعلامَ نعمد للكسل والمسافة بيننا وبينهم قصيرة؟!

وسارا في شارع راسين على مهل. فقال حسن: إني لا أعرف غير مدام ماريون وابنها وابنتها، وأنت تعلم أني كثير الخجل؛ لهذا أخشى أن أكون عبئًا ثقيلًا على من لا يعرفني.

فقهقه ألبير وقال: أتخشى لقاء النساء؟ لقد عهدتك قويَّ القلب ثابتَ القدم؛ فعلامَ هذا الحياء؟ لم تدع مدام ماريون غير أسرة «همري»، وما تلك الأسرة إلا مجموعة من النساء: الأم، وبناتها الثلاث، وصديقة لهن جاوزت الأربعين، فالحفلة عائلية، وستكون فيها بين قوم قليلي العدد يبجلونك ويحترمونك؛ فلا تخشَ بأسًا. إليك يا صديقي نصيحة غالية الثمن إذا اتبعتها كان لك بين النساء شأن عظيم؛ لا تركن للنساء كثيرًا، داول لهنَّ بين اللِّين والشدة، وامزج لهن بين الرأفة والقوة، ولا تنسَ الاعتناء بشاربك فهو من الرجولة وله في قلوب النساء حظ كبير وقسط وافر، وابحث عن مجموعة من الجمل العذبة والنكات المستملحة تجعلها بضاعة لك تبيعها للنساء لتقبض الثمن غاليًا، والثمن في هذا السوق لا يخرج عن حد القبلات العذبة والعناق الطويل … إلخ.

فضحك حسن، وعلم أن صديقه يمزح معه، وكانا قد وصلا إلى تياترو الأديون، فوقفا هنيهة ينظران للناس تصعد سلم هذه الدار زرافات ووحدانًا، ثم أتمَّا سيرهما في شارع فوجيرار، فقال حسن: لقد قرأت شيئًا عن هذا الشارع في رواية الفرسان الثلاثة لديماس الكبير.

– إني أكره هذا الرجل، وأربأ بك أن تقرأ رواياته، فلست من السوقة أيها الصديق لتنزل بنفسك إلى دركهم.

– إني أرتئي رأيك يا ألبير، ولم أقرأ هذه الرواية إلا لأعرف شيئًا عن شخصية الكاتب، فأنا اليوم من شيعة من يضرب برواياته عرض الحائط، وعلى الأخص بعد أن قرأت شيئًا من روايات ابنه إسكندر ديماس الصغير.

– الفرق كبير بين الوالد وابنه؛ فالأول يشوه التاريخ، أما الثاني فيحلل خبايا النفوس وينتصر فيما يكتب لنظريات اجتماعية يرى فيها الصراط المستقيم لإصلاح ما فسد من الأسرة.

– ولكني أبرِّر عمل الأول لفقره وضيق ذات يده. وكانا قد وصلا لدار مدام ماريون، فوقفا أمام الباب، ودقَّ ألبير الجرس ففتحه البواب، وصعدا سلم الدار إلى أن وصلا إلى الطابق الرابع، فدقا الجرس أيضًا، وأحسَّ حسن بخَفَقَان قلبه، ولم يعلم لذلك سببًا، ثم انفتح الباب وسارا في الدهليز قاصدين غرفة الاستقبال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.