أول ما أعلمه عن السيدة الجليلة «أم المصريين» أنها كانت — رحمها الله — نموذج الزوجة المثالية للرجل العظيم …

كانت تثق بعظمة «سعد» قبل أن تظهر تلك العظمة التي وثق بها جميع المصريين، واعترف بها غير المصريين.

وقلما يبقى مع الألفة مجال للإيمان بالعظمة، إلا أن تكون العظمة قد بلغت غايتها، أو يكون المؤمن بها قد بلغ الغاية من الفطنة لها وصدق الشعور بأسرارها.

وقد تحقق هذا وذاك لسعد زغلول وصفية زغلول؛ فكانت عظمته آية في القوة الواضحة، وكان إيمانها آية في الفطنة وصدق الشعور.

كانت تثق به فيما تعلم وفيما لا تعلم، وحدثتني — رحمها الله — عن عاداته التي جرى عليها في مفاتحتها بشئونه الخاصة والعامة، فقالت: «إن سعدًا كان يطلعني على كل شيء يهمه، فإذا كان في الأمر ما يشغله ولا يحب أن يتحدث فيه وضع أصبعه على فمه مازحًا إشارة إلى السكوت … فأتركه في تلك اللحظة ولا أكرر عليه السؤال.»

سعد لا يحب العنف

كانت تثق بلطفه ورقة حسه، كما كانت تثق بقدرته وشدة بأسه، واتفق مرة أن جماعة من جمهرة الشعب قدموا إلى «بيت الأمة» صاخبين مندفعين، يعلنون احتجاجهم على اعتقال «سعد» وإقصائه إلى منفاه، ويحملون الهراوات يلوحون بها في الهواء ويضربون بها الجدران والعمدان هنا وهناك، فخرجت — رحمها الله — إلى شرفة «بيت الأمة» غاضبة توشك أن تبكي من الغضب، وصاحت بهم: «ما هذا؟ أبمثل هذه المظاهرة تحيون سعدًا وتذكرونه؟! من تظنون سعدًا؟ إن سعدًا كان لطيفًا، لا يحب العنف، ولا يسره أن يراه …»، وغلبتها الحدة، فانطلق لسانها بالتعبيرات التي كانت مألوفة في البيئة التركية التي نشأت فيها، فجعلت تقول: «إن سعدًا «نازك» فلماذا تحيونه بضرب الجدران والعمدان من هنا وهناك؟»

كانت تثق به، حتى فيما يثير شكوك الزوجة بغير دليل، فقد كتب إليها بعض الحاقدين في أول عهدهما بالزواج يقول لها: إن سعدًا تزوج في شبابه من إحدى بنات بلدته، وإن له ذرية من زوجته الأولى يعيشون في تلك البلدة. وشاعت هذه الفرية وتناقلتها ألسنة السيدات من قريباتها ومعارف أهلها، فكذبتها دون أن تسأل عنها، وجزمت من غير سؤال باستحالتها؛ لأن رجلًا في مثل أخلاقه التي عهدتها لن يكذب عليها ولن يخدعها. وبلغت جرأة الفضول ببعضهن أنها زارتها ولم تجد سعدًا عندها في حجرة الزيارة، فسألتها: «أصحيح أن زوجك له قرينة أخرى وبيت آخر يتردد عليه؟» فقالت لها: «نعم، له زوجة أخرى، ولكنها تقيم معه في هذا البيت.» وأخذتها مع الزائرات إلى حيث كان «سعد» في تلك اللحظة، فقالت لها: «أنصتي! فها هو ذا يتحدث إلى زوجته الأخرى!» وكان سعد في تلك الأيام يدرس الفرنسية وعلوم الحقوق استعدادًا للامتحان في باريس، وكان يقرأ على الطريقة الأزهرية بصوت مرتفع، فلما اشتد العجب بالزائرة وصويحباتها من صبرها على هذه الحالة، جعلتهن ينظرن إلى داخل مكتبه، وإلى جانبه سرير أعده للنوم لئلا يزعجها إذا طالت به المذاكرة … فتهامسن دهشات: «ولكن، أين الزوجة؟» قالت: «الزوجة هي هذه الأوراق!»

وحدة الروح بين سعد وصفية

حدثتني السيدة صفية — رحمها الله — بهذه القصة، فأردت أن أستقصيها استقصاء المؤرخ الذي لا يكتفي بالنفي لمجرد الثقة والطمأنينة النفسية، فسألت العالم الجليل المرحوم الشيخ محمد زيد الإبياني — وهو من بلدة الزعيم العظيم — فاستبعدها جدًّا، وقال: «إن إبيانة قائمة على أسر ثلاث، هي: أسرة «الزغاللة»، وأسرة «زيد»، وأسرة «حسام الدين»، فلو تزوج سعد من بلدته لتزوج من إحدى هذه الأسر واشتهر أمر زواجه، وبعيد جدًّا أن يتزوج مثل سعد من فتاة مجهولة النسب؛ لأنه عار شديد بين أبناء الريف.»

هذه الثقة جديرة بشريكة الرجل العظيم في حياته، ودليل على الزعامة التي امتازت بها الزوجة المثالية.

لقد كانت ربة منزل كما كانت شريكة حياة، وقد رأيتها في «مسجد وصيف» تشرف بنفسها على المطبخ وإعداد الطعام، وعلمت أنها لم تنقطع يومًا عن هذه العناية منذ احتاج زوجها العظيم إلى التغذية الخاصة التي توافقه في حالته الصحية.

ومعنى ذلك أن هذه السيدة ربيبة النعمة والحسب، وربة الخدم والأتباع، تدين نفسها بالواجب الذي يأنف منه كثير من الزوجات، وهن لا يرتفعن إلى منزلتها في الحسب والتربية والمكانة الاجتماعية.

وقد أصبح معروفًا عند الكثيرين اليوم أنها عاشت مع زوجها نحو عشرين سنة، مشتركين في المعيشة لا ينعزل لأحدهما حساب عن حساب الآخر، وقلما عرف الناس مثل هذا الامتزاج بين الزوجين في المال والملك والشعور والوفاء.

وزاد فضلهما فضلًا في هذه المزية النادرة أنهما لم يرزقا الذرية، وهي التي نفسر بها وثاقة الصلة بين الزوجين في كل بيت اشتهر بالوئام والمودة، فلا فضل إذن في هذه الزوجية المثالية لغير الخلق الكريم والروح السمح والأدب الرفيع.

وظلت «أم المصريين» محافظة على هذه الوحدة الروحية بعد أن فصل الموت بينها وبين شريكها في الحياة، فلم تلقَ بعد وفاته أحدًا من قصاد «بيت الأمة» غير الذين لقيتهم عند سعد في حياته، ولم تنقل شيئًا من أثاث المنزل إلى موضع غير الموضع الذي رآه.

بيت الأمة قدوة للبيوت

لقد كان «بيت الأمة» قدوة للبيوت التي تتمناها الأمة لجميع أبنائها؛ بيت يعيش فيه إنسانان معيشة إنسان واحد، فلا فاصل بينهما في الحياة ولا بعد الممات.

وقد نفي «سعد» مرتين: مرة إلى جزيرة مالطة، ومرة إلى جزائر سيشل ثم جبل طارق. وفي كلتا المرتين كانت «أم المصريين» تلحُّ على «السلطة» في إلحاقها بقرينها المنفي حيث كان، ولقد لحقت به فعلًا في منفاه بجبل طارق وهي لا تعلم متى يكون الإفراج عنه، ولم تكفَّ عن طلب اللحاق به في سيشل إلا حين علمت أن غيابها عن مصر مقصود للقضاء على شعلة الحماسة التي كانت تذكيها في مصر بوجودها في «بيت» الأمة، ومخاطبتها الشعب من حين إلى حين بما يحفظ تلك الحماسة متقدة في الصدور.

قاسم أمين … وصفية زغلول

ومما ينبغي أن يذكر في سياق الحديث عن هذه الزوجة المثالية أنها تمت على النمط الذي أراده محرر المرأة «قاسم أمين».

لقد خطر لبعض الكتاب أن الزواج بين زعيم مصر وأم المصريين قد تم في ندوة الأميرة «نازلي فاضل»، وأنها هي التي اقترحته على سعد في بعض زياراته لندوتها الحافلة، وكان هو من زوارها المعدودين.

والواقع الذي سمعته من السيدة الجليلة أن هذا الزواج قد اقترح في ندوة الأميرة، كما شاع في حينه، ولكن الذي اقترحه هو «قاسم أمين» على غير رغبة الأميرة، وشاء الله لمحرر المرأة المصرية ومجدد البيت المصري أن تكون الزوجية المثالية أعظم أثر له في ميدان جهاده؛ لأنه «الأثر العملي» الذي أصبح قدوة ماثلة للرجال والنساء.

ومن التعبيرات المألوفة أن يقال: إن فلانًا وفلانًا من أسرة واحدة؛ لأنهما من أسرة القضاء، ولكننا إذا قلنا: إن سعدًا وقاسمًا كانا من أسرة واحدة لم نكد نبلغ بهذا التعبير المجازي قوة الحقيقة في الدلالة على ما كان بينهما من الصداقة الحميمة؛ إذ كان الإخاء الذي جمع بينهما إخاء عقلين وروحين وعاطفتين، وإخاءً في ميدان العمل وميدان الإصلاح.

ولم يكن سعد بالرجل الذي تعوزه الثقة بنفسه وهو ما هو من عظمة الشخصية ومتانة الإيمان برسالته في خدمة بلاده، ولكننا نعتقد أن الله قد أنعم عليه بأقوى مدد للثقة النفسية حين رزقه المودة من نفس رجل نبيل كقاسم أمين، وسيدة نبيلة كصفية زغلول.

***

ما ذُكِرَت السيدة صفية في معرض الحياة الزوجية والخدمة العامة إلا راجعنى العجب من السيدات المطالبات بما يسمينه حقوق المرأة.

فماذا عسى أن تصنع المرأة خيرًا مما صنعته السيدة صفية وهي لم تدخل البرلمان؟

لقد تبنت أمة كاملة وهي في بيتها.

فلتكن «أم المصريين» إذن قدوة للمصريات!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.