بين يديَّ كتاب عن الحضارة العربية بإسبانيا للأستاذ ليفي بروفنصال، من المستشرقين الفرنسيين الذين انصرفوا للدراسات الإسبانية العربية، وقد عرفته فرنسا وإسبانيا والجزائر ومصر أستاذًا محاضرًا وباحثًا من الطراز الأول، بل إن كتابه هذا عبارة عن الدروس العامة التي ألقاها بكلية الآداب أيام أن عمل بها أستاذًا زائرًا ومشتركًا مع عميدها الدكتور طه حسين باشا ونخبة من زملائه وتلامذته في نشر كتاب الذخيرة لابن بسام. وقد اخترت للتحدُّث إليكم عن كتابه هذا مناسبة سعيدة، أَلَا وهي إيفاد حكومة حضرة صاحب الجلالة معالي وزير المعارف الدكتور طه حسين باشا لافتتاح معهد فاروق الأول بمدريد؛ وما إنشاء هذا المعهد وتتويجه بالاسم الكريم الذي أُطلِق عليه إلا مرحلة جديدة خطيرة في تاريخ الدراسات الإسلامية بكلية الآداب، وضع أُسسها ووجَّهها التوجيه العلمي الصحيح طه حسين وزملاؤه وتلامذته في تلك الكلية، ونالت من رعاية الملك وعنايته وإشرافه ما لقيت سائر عناصر النهضة المصرية. وإن إنشاء معهد فاروق الأول بمدريد لَيدل دلالة واضحة على أن الدراسات الإسلامية الإسبانية قد بلغت الحد الذي يسمح بأن يعمل فيها العلماء المصريون والعلماء الإسبان وغيرهم من علماء الغرب متآزرين متعاونين، بل إنها بلغت حدًّا يقتضي ذلك التآزر وذلك التعاون؛ أي إنها أصبحت وسيلةَ وصلٍ بين العلماء بعد أن كانت سببَ تفريق بين الأمم، ولم تَعُدْ مادةً يُستمَد منها ما يثير الحزازات أو ما يشقي النفوس يتركها المسلمون لغيرهم يفعلون بها ما يشاءون، بل هي ميدان عمل فسيح يجد فيها العالِم المصري الكامل أو الناشئ مجالًا لتطبيق المناهج التي حذقها أو التي يدرب عليها؛ فيضيف إلى صبر أسلافه الأقدمين ودقتهم عناصرَ جديدة وأساليب حديثة، فلا يتأثَّر — كما تأثَّروا — بالنزاع السياسي بين المشرق والمغرب الإسلاميين ولا بالنضال بين المذاهب الدينية والفقهية والفلسفية، ويتسع نظره فيشمل الفنون والصناعات وشئون الحياة الاجتماعية، ويمتد بحثه للغات قديمها وحديثها، وللصلات بين الحضارات غابرها وحاضرها.

فهي إذن مناسبة سعيدة حقًّا أن أتحدَّث إليكم عن كتاب جيد في الحضارة الإسلامية بإسبانيا، في الوقت الذي تنشئ فيه حكومة حضرة صاحب الجلالة معهدًا في مدريد للدراسات الإسلامية الإسبانية وما يتصل بها. والكتاب موجز ولكنه واضح كل الوضوح، يبسط المسائل الأساسية وما حقَّقه العلماء — وهو من أصحاب المقام الأول بينهم — وما لم يحقِّقوه بعدُ، دالًّا القارئَ على ما ينبغي عليه أن يرجع له في حاشية قصيرة نافعة.

وقد أدرج ليفي بروفنصال مسائلَ الدراسات الإسلامية الإسبانية تحت ثلاثة أبواب حسب طبيعتها وخصائصها، فمنها ما أدرجه في باب العلاقة بين الحضارة العربية الإسبانية والمغرب الإسلامي، وأخرى في باب العلاقة بين تلك الحضارة والمشرق الإسلامي، وأخرى في باب العلاقات بين حضارة إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية، ومن وراء هذه أوروبا المسيحية الغربية. ولأعرض عليكم بعض تلك القضايا متتبعًا المؤلِّف في عرضه الموطأ السهل، مبتدئًا بالعلاقة بين إسبانيا الإسلامية والمغرب الإسلامي، وأمر تلك العلاقة ظاهر، وهي قديمة قِدَم التاريخ، فمن الساحل الأفريقي هبطت إسبانيا الجماعاتُ الإيبيرية؛ والإيبيريون الأفريقيون والكلت الشماليون هم أساس «الأمة الإسبانية». ومن الساحل الأفريقي امتد الاستعمار الفينيقي، ومن إسبانيا تحرَّك هانيبال في غارته المشهورة عبر البرانس والألب نحو روما؛ فالاتصال بين إسبانيا والمغرب قديم إذن قِدَم الهجرات والاستعمار في العصور السابقة للإسلام، وفي أيام الرومان توثقت الصلات فيما بين أقطار سواحل البحر الأبيض المتوسط كلها، وفي العصور التالية لزوال الإسلام عن إسبانيا بقيت تلك الصلات حتى يومنا هذا. وقد اهتمَّ ليفي بروفنصال ببيان ما كانت عليه في العصر الإسلامي، فأشار إلى ما كان من أثر المغرب في أمر الفتح الإسلامي وفي نشأة الدول الإسلامية بإسبانيا وازدهارها واضمحلالها، وإلى أثر العناصر الغربية الخالصة في بعض نواحي الحياة العقلية، كما أشار إلى الأثر الإسباني القوي في تجارة المغرب وفنونه وصناعاته. وإذا أردنا أن نبسِّط المسائل قلنا إن الأثر الإسباني يتجه نحو ارتقاء الحضارة ونعومة العيش، وإن الأثر الغربي يتجه نحو الحكم والحرب والسياسة. ويتخلل ذلك الفصل الجيد من الكتاب نظرات قيِّمة في تحديد المغرب الإسلامي والفروق بينه وبين سائر أقطار الساحل الأفريقي الشمالي.

ثم انتقل المؤلف للعلاقة بين إسبانيا الإسلامية والمشرق الإسلامي، وكان حظه من الإجادة في شرحها أقل، وعذره ضخامة الموضوع واضطراره للتبسيط والاختيار. فالموضوع هو الحضارة الإسلامية في مصادرها وفي انتشارها، وعلى الباحث فيه أن يصف الأصول والفروع وأن يتتبعها في انتشارها؛ ما انتابها أثناء ذلك؟ وكيف تطورت إلى أن بلغت الأقاصي؟ وعلى يد مَن تم الانتقال؟ وما الأمور التي كانت تيسِّره؟ وما العقبات التي كانت تعترضه؟ وليس هذا في أمر العلاقات السياسية فحسب، بل هو يشمل الآداب والفنون والعلوم وسائر المعارف؛ كل هذا لا يتسع له فصل من كتاب موجز، ولا هو مما يقوم به جهد عالِم واحد. وهنا يطيب لي أن أقول إن لنا أن نجد في ميدان العلاقة بين إسبانيا الإسلامية والمشرق الإسلامي المجالَ الطبيعي لعلمائنا المصريين في معهد فاروق الأول الثقافي، فهم — لحدٍّ ما — مشارقة، وكانت بلادهم مصر — لحدٍّ ما — صلةً بين شطري العالم الإسلامي، فلنا أن ننتظر منهم أن يكون العمل في الكشف عن تلك الصلة وإظهار ما غمض من أمرها، وما كان من نتائج عملهم قبل غيرهم. وحرصًا على أن لا يقتصر الأمر على الصلات الأدبية وحدها، اشتمل الفوج الأول من المبعوثين المصريين لمعهد فاروق الأول على رجال الآثار والتاريخ وفنون التصوير والنحت والزخرفة؛ ذلك لأن المعهد لا يعنى بماضي الأندلس فحسب، بل هو معهد يعنى بالثقافة الحية، بالعلاقات الثقافية بين مصر وإسبانيا. وكان هذا المعنى — لحدٍّ ما — قائمًا في ذهن ليفي بروفنصال عندما عرض في القسم الأخير من كتابه للعلاقات بين إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية ومن ورائها أوروبا في الماضي وفي الحاضر، ويصل في هذا القسم بين حقائق العلم وما تجيش به الخواطر والحساسيات؛ فتتردد فيه الأسئلة التي تخطر على نفس كل إسباني: هل كان الفتح الإسلامي نكبة على بلاده؟ هل له أن يجد في مفاخر الحضارة الإسلامية ما يفخر به على أنه تراث قومي؟ وكيف يستطيع أن يفعل ذلك وأن يوفِّق بين ذلك وبين اعتزازه بانتصار دينه وملوكه الوطنيين على المسلمين؟ أليس العهد الإسلامي من تاريخ إسبانيا يختلف كل الاختلاف عن العهد الروماني أو العهد القوطي؟ لقد تحوَّلت إسبانيا إلى شتى روماني، ولقد تحولت إلى شتى قوطي متنصر، ثم جاء الإسلام فأظلَّ البلادَ كلها وجميع أهليها من وطنيين ومستوطنين، من مسلمين ومسيحيين، بظل الحضارة المزدهرة، ولكن نشأت بجانب ذلك كله حركة كفاح ونضال نمت منها إمارات ظلت تحارب إلى أن نالت ما أرادت، وكان ما قدر الله. ويقول المؤرخون الإسبان إن ما جرى كان له أكبر الأثر في تشكيل أمتهم على نحوٍ ما يخالف ما حدث للفرنسيين أو الإنجليز أو الألمان أو الإيطاليين، فانحرف تاريخهم عن جادة التطور الأوروبي السائد، فكان حربًا صليبية بعد جلاء المسلمين، ثم كانت الإمبراطورية العظمى فيما وراء البحار وفي أوروبا؛ فأصاب الشعب من الإعياء ما أصابه.

هذه وأمثالها أسئلة يردِّدها المؤلف عن المؤرخين والمفكرين الإسبان، وليسوا هم وحدهم السائلين، فقد وضع المؤرخ الكبير البلجيكي هنري بيرين كتابًا نُشِر بعد موته بعنوان: «محمد وشارلمان»، ذهب فيه إلى أن المجتمعات التي أنشأها المتبربرون على أنقاض الحكم الروماني سارت في أول أمرها نحو بقاء وحدة البحر الأبيض المتوسط ومعالم الحضارة الرومانية الأساسية، لولا الفتوح الإسلامية وبخاصة لولا نجاح العرب في فتح إسبانيا؛ فقد ترتَّبَ على ذلك ضياع وحدة البحر وانقطاع حركته التجارية والثقافية، فانطوت المجتمعات المتبربرة على نفسها وتضاءلت تجاربها وتفرَّقت إقطاعات، واتجهت نحو الشمال. وقد أشار ليفي بروفنصال إلى هذا المذهب وغمزه غمزًا مؤدبًا في قوله إنه لولا أن الكتاب نُشِر بعد مؤلفه الكبير لَقال إن بيرين لم يستوفِ المراجع المتعلقة بالمغرب الإسلامي حقها. وعلى كلٍّ فإن البحر الأبيض المتوسط لم تحوِّله الفتوح العربية إلى بحر من الظلمات، بل سطعت من مناراته العربية العديدة أنوارٌ قوية في إسبانيا المسيحية المعاصرة للمسلمين وفيما وراء البرانس، في الآداب والفنون والحركة الفكرية عامةً. ولقد اقتبس المؤلف في ختام كلامه عباراتٍ من بحث المؤرخ الإسباني كلوديو سانشيز ألبرونزو — كان في وقتٍ ما مديرًا لجامعة مورييه ووزيرًا لخارجية بلاده — نشرته المجلة التاريخية الفرنسية مُترجَمًا في سنة ١٩٣٢م، ذهب فيها إلى الانحراف الذي أدَّى إليه الفتح الإسلامي، على أن للإسباني أن ينوِّه بمآثر الإسلام في إسبانيا وإلى آثاره في الحضارة العربية. والحق أن الإسبان هم الذين نكبوا أنفسهم بأنفسهم لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع المسلمين بعد سقوط غرناطة وبعد زوال كل خطر مع استقلالهم وحريتهم، فحكموا على أنفسهم بأن يكونوا قادة في محاربة حرية الفكر والدين زهاء قرن من الزمان. والآن وقد انتهى كل ذلك فإن لنا أن نغتبط، معشر المصريين، بأن معهدنا في مدريد سوف يكون له أثره في بناء الفكر السليم والرأي القويم عن الماضي، وفي توجيه العلاقات الثقافية الحاضرة نحو الخير والسلام، وبالله التوفيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.