هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير.

وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه.

ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت.

وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة.

وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب.

وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار.

وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به.

والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور.

أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط.

والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان.

أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد.

هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز.

رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء.

أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل.

أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟!

ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال:

إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي

وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.