لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.

لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.

وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.

ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.

وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.

فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.

ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!

أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.

ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.

أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟

وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.

يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.

وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.

وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!

يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.

أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.

لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.

وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!

متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.