من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.