شيخ النقاد — بلا قافية — ينسى دروس صباه … يا ولداه!

وشيخ النقاد — بشهادته لنفسه — هو الدكتور المندور.

ودروس صباه التي ينساها هي دروس كثيرة جدًّا، نَسْتَعِيد منها في هذه اليوميات درسًا واحدًا «صغيرًا»، كان موضوعه التصغير في شعر المتنبي، شاعر العربية الكبير.

وبلا قافية ليست من مخترعاتنا نحن، ولكنها هي مذهب الشيخ المندور — شيخ النقاد — بعد دعوته إلى الشعر الذي يكون شعرًا ويُسمَّى شعرًا ويلغي الشعر كله بلا وزن ولا قافية … ولماذا لا يُسمَّى نثرًا ونخلص من إلقاء الأوزان والقوافي هكذا والسلام على عهدة المشايخ الكرام؟!

وحديث هذا الدرس يرجع عشرين سنة إلى أوائل سنة ١٩٤٣، ثم يرجع قبل ذلك نحو عشرين سنة إلى أواخر سنة ١٩٢٣.

ففي عدد البلاغ الذي صدر في العاشر من شهر ديسمبر سنة ١٩٢٣ كتبنا مقالًا عن التصغير في شعر المتنبي قلنا فيه إنه يدل على طموح المتنبي واغتراره بعظمته واحتقاره لمن ينافسهم وينافسونه من أهل زمانه، فهو إذا افتخر بالغ في التفخيم والتضخيم، وإذا هجا بالغ في التصغير والتحقير، كأنما ينظر من طرفي مجهر مُكَبِّر يُرِينا الأشياء غاية في الكبر أو غاية في الصغر من الطرفين، وقلنا بعد التمثيل لتفخيماته وتضخيماته:

اعكس هذه الصورة بعد هذا واقلِبِ المجهر المكبر وانظر في الناحية الأخرى، ماذا ترى؟ … ترى صُوَرًا صغيرة ضئيلة لا تدري كيف تبالغ في تصغيرها وتهوين شأنها … ترى شعور التفخيم قد انقلب إلى شعور بالتأفف والاشمئزاز، أو أنت ترى المتنبي ذلك الذي امتلأ أمام العظمة روعة وتوقيرًا قد نظر في المجهر من ناحيته الأخرى فامتلأ أمام الضئولة تقززًا وتحقيرًا …

وكان في هذا البلد طائفة قليلة أطلقوا على أنفسهم لقب «أدباء الشباب» كهذه الطائفة التي تُلقِّب نفسها اليوم بهذا اللقب وتحصر جهودها في غرض واحد؛ وهو هدم شيخ واحد فقط لا غير يُسمَّى «عباس العقاد».

وإنما الفارق بينها وبين أخت لها بالأمس أن أختها بالأمس كانت تتعلل بهدم أدب الشيوخ وتخص «عباس العقاد» وحده بالشيخوخة … مع أنه لم يكن يجاوز الأربعين، ثم تقوم وتقعد بنشر الدعوة لأحمد شوقي وخليل مطران ومحمد المويلحي، وأصغرهم قد جاوز الستين …!

وفتِّش عن القصر تارة … وفتِّش عن السياسة تارة أخرى … وفتِّش عن الغرور بالألقاب المدرسية تارات … وفتِّش عن الحزازة الشخصية مع كل تارة من هذه التارات؛ فإنك ستعرف السِّرَّ الكامن وراء الشيخوخة في الأربعين والفتوة الناشئة فيما وراء الستين!

أمَّا أخت تلك الطائفة ممَّن يسمون أنفسهم اليوم بأدباء الشباب، ففي الصبغة الحمراء تفسير لما يعلنون ويضمرون، وفي غير ذلك من المعلل تفسيرات أخرى تتفرَّع إلى فروع شتى، يبرز بينها أصحاب الدجل الديني وأصحاب الدجل الحزبي وأصحاب الدجل من كل طائفة تعرَّضَتْ للحملة عليها من كاتب هذه السطور، وتتخللهم جميعًا طائفة المغرورين بالألقاب المدرسية، وليس عندهم من محصول الثقافة غير الغرور والقشور.

ولقد كان مسلكنا مع هؤلاء المتربصين بنا على ألوانهم الكثيرة أن نعرض عنهم ونتركهم يهدمون ما استطاعوا؛ ليعلموا بعد حين أن الغبار الذي يثيرونه إنما هو أنقاضهم الهزيلة تتهاوى فوق رءوسهم وتتساقط تحت أقدامنا دون أن تُحْوِجنا بعد ذلك حتى إلى الطلاء؛ لتلميع الحذاء.

فما أجبنا أحدًا منهم إلا أن يكون في كلامه موضوع سؤال نتلقاه من أصدقائنا القراء، ويومئذ نعرض له بالبيان الضروري؛ لأنه حق للقارئ على كاتبه الذي يحرص على تمحيص آرائه بين الموافقين لها والمعترضين عليها.

وكان شيخ النقاد في تلك الأيام من «صبيان النقد» بلا قافية … قبل ثلاثين سنة.

وكان همُّه في هذه السنين جميعًا أن يتتبع ما نقوله بالإنكار والتسفيه في الجملة والتفصيل كأنما قد خلقنا الله معجزة أخرى من معجزات الخلق في هذه الدنيا؛ وهي معجزة العصمة من الصواب، ولعلها أندر من معجزات النبوة التي تتصف بالعصمة من الأخطاء!

كل ما نقوله خطأ! وكل ما يكتبه شيخ اليوم، صبي الأمس بلا قافية، تصريح أو غمز بالإعادة والإبداء في تسفيه كل ما نقول.

شعرنا ليس بشعر؛ لأن شعر «الهمس» هو الذي يرتضيه شيخ النقاد! وقد نسي شيخ النقاد أنه الناقد الاجتماعي العصري الصناعي المادي الذي لم يكتب حرفًا واحدًا في نقد المذهب الماركسي … ثم نسي مع ذلك أن «الهمس» آخر أساليب التعبير عن ضوضاء الصناعة وثورات الاجتماع.

والقصيدة يجب أن تكون بغير ترتيب ولا انتظام بين معاني الأبيات؛ لأننا نحن نقول في الشعر بوحدة القصيدة.

والوزن والقافية فضول في الشعر العربي عند شيخ النقاد، رأي لم يقل به الشيخ ولم يتحمس له إلا بعد أن أصبحت معارضتنا له هي «بيت القصيد»، وأصبح الواضح في رأينا أن الوزن أصل من أصول الكلمات العربية فضلًا عن القصائد والأبيات، فلا يوجد في لغة الضاد لفظ واحد له معنى بغير وزن يُقاس عليه، ولا يُوجَد في اللغات الأوروبية لفظ واحد له وزن مقصود.

والأدب يجب أن يُؤخَذ سطورًا وشطورًا بغير نفوس … لأننا نحن نعتمد على التعبير ونعتمد في التعبير على الفوارق بين نفوس المعبِّرين.

وكل إنسان في هذه الدنيا لا يستحق عند الشيخ حرفًا من الثناء إلا بمقدار ما في الثناء عليه من التعريض بكاتب هذه السطور!

ثم المرأة، وما أدراك ما المرأة عند مولانا الشيخ؟! … إنها سيدة الرجل؛ لأننا نحن نقول إنها والرجل جنسان لم يختلفا تركيبًا وخلقًا؛ ليصبحا نسخة مكررة، وإن المرأة يعيبها أن يُقال عنها إنها كالرجل، كما يَعِيب الرجل أن يُقال عنه إنه والمرأة سواء.

والثقافة العربية لا بد أن تتأخر عن الثقافتين اليونانية والعبرية — عَنْوَةً — لأننا نحن نقول بقدم الثقافة العربية، ولا نقول ذلك عبثًا بل نسنده بكل دليل من التاريخ والفكر السليم؛ لأن اليونان استعاروا حروفهم الأبجدية من حروف العرب، وليست «ألفا … بيتا … جما … دلتا …» إلا «أبجد» بعينها؛ لأن الأبجدية العربية أكمل من أبجدية اليهود، ومشتقات لغة الضاد تمت قبل المشتقات في سائر اللغات السامية، ونَظْم الشعر العربي أسبق من نمط الشعر العبري الذي لا وزن فيه إلى الآن … وقد كان لإبراهيم وموسى معلمون من أبناء العرب على تخوم العراق وفلسطين.

وكدنا نعتقد أننا لو استطعنا يومًا أن نقول إن «المندور» هو شيخ النقاد حقًّا لظهر في الغد مقال بتوقيع المندور نفسه يقسم فيه أن هذا المندور جنين لم يُولَد بعد! أو يصبح فيه هذا المندور بعينه ومينه عقادًا آخر مبرَّأً من الحسنات معصومًا من كل قول وعمل غير المساوئ والسيئات.

***

وعلى هذه السُّنَّة كتب «المندور» قبل ثلاثين سنة ينكر رأينا في ولع المتنبي بالتصغير، وينكر أن يكون للتصغير في شعره شأن غير شأنه في دواوين عامة الشعراء، ولن يقول بذلك أحد فتح ديوان المتنبي في حياته مرتين على صفحة من الصفحات.

وعلى سُنَّتنا نحن أعرضنا عنه حتى وصل إلى مجلة الرسالة التي نكتب فيها سؤال بتوقيع «محمد جابر» يشير فيه على رأينا في ولع المتنبي بالتصغير، ويعقب عليه قائلًا: «وقد اطَّلَعْنا أخيرًا على مقالة في مجلة الثقافة لبعضهم يقول فيها إن هذا من طغيان النفسيات على الأدب، وإن التصغير في شعر المتنبي لم يكن لتكبُّرِهِ، وإنما هو أداة من أدوات الهجاء يعرفها شعراء هذا الفن في الأدب العربي وفي غيره من الآداب … فهل لكم أن تدلوا برأيكم في تعقيب الكاتب؛ لأنه تفسير لرأيكم، وفيه بيان لمسألة من مسائل النفسيات والأدب؟»

وحق علينا جواب السائل دون أن نذكر شيخ النقاد اليوم بغير الإشارة إلى كلامه في مجلة الثقافة، وكان جوابنا توكيدًا لوجوب الدراسة النفسية في فهم كل أسلوب من أساليب التعبير؛ لأن النقد الذي يأخذ البلاغة أخذه لمجموعة من الكلمات والألفاظ المنسوقة لن يصل إلى فقد التعبير كما صدر من صاحبه؛ إذ كانت العبارة ونفس المعبر صفتين حيويتين، ولا قيمة للأدب الذي ينعزل عن الحياة.

وخلاصة ذلك الجواب سؤال وجيز فحواه: إذا كان كل ما في الأمر أن التصغير قاعدة في اللغة وفن من فنون الهجاء؛ فلماذا خلا منه شعر الهجائين من أمثال الفرزدق، وجرير، وابن الرومي، ودعبل، والحطيئة مِنْ قَبْلِ هؤلاء؟! ولماذا اجتمع منه في شعر المتنبي وحده — وهو ليس من المختصين بالهجاء — ما لم يجتمع في دواوين هؤلاء الشعراء متفرقين؟!

هنا لا بد من التفسير النفساني لتعبيرات الشاعر عن ذات نفسه، ولا سبيل إلى فهم الكلام بغير فهم المتكلم؛ لأن الاتصال بينهما — كما تقدم — إنما هو ذلك الاتصال الوثيق بين المؤثرات والمعبرات، ولا سبيل إلى العزل بين هاتين الصلتين.

ولو أن شيخ النقاد أراد أن يفهم جلية الرأي لَفَهِمَ من هذا الدرس الصغير ما هو كفيل بتصحيح خطئه.

ولكن الآراء عند شيخ النقاد لا تنقسم إلى صواب وخطأ، إنما تنقسم إلى رأي نقول به فهو خطأ لا صواب فيه، ورأي يعارض ذلك الرأي فهو الصواب كل الصواب!

***

وفي ندوة الكتاب — بعد ثلاثين سنة — سأل الشيخَ سائلٌ عن الفرق بين مدرسة العقاد في النقد وبين مدرسته هو، فكان جوابه: «إن العقاد يعتمد على النفسيات، وإنه هو يعرف أصولًا للنقد الأدبي تعصمه أن ينزل إلى ذلك المستوى!»

وبدر إلينا الشك في الصيغة التي جاءت بها هذه العبارة على لسان شيخ النقاد، ولكنه رواها بعد ذلك بصيغة لا تختلف كثيرًا عن صيغتها المنقولة إلينا، فكتب في إحدى الصحف الصباحية يقول: إنني «أجنح نحو النظر إلى الأعمال الأدبية والفنية كوثائقَ نفسيةٍ لتحليل نفسيات مؤلفيها على أساس من فلسفة فرويد وتلاميذه المعروفة، وذلك بينما أرفض أنا النزول إلى مستوى الوثائق النفسية فحسب.»

وعلى السُّنَّة التي توخيناها قديمًا لم نعرض لكلام الدكتور المندور في الندوة حين نقل إلينا، ولكننا عرضنا له حين سألنا عنه أحد أصدقائنا القراء في اليوميات، وجاء بعد ذلك جواب الدكتور المندور في الصحيفة الصباحية فإذا هو أحق بالتصحيح مِمَّا ورد في سؤال القارئ الصديق من وجوه كثيرة.

فما كنا يومًا من أشياع مدرسة فرويد وتلاميذه في الدراسات النفسية.

وما قلنا قط إن التحليلات النفسية هي غرضنا من دراسة نفوس الشعراء، وإنما قلنا — ونقول — إن نفس الشاعر هي التي نرجع إليها حين نلتمس الفوارق التي لا تفسرها البيئة الاجتماعية، وهي واحدة حيث يختلف العشرات بل المئات من الشعراء، وما كتبنا عن شاعر واحد دون أن نحيط الكلام عليه بالبحوث المطولة عن أحوال عصره، وعن معنى ظاهرته الأدبية من الوجهة الاجتماعية.

ولا جديد في قول صاحبنا عن كاتب هذه السطور: «إن الأستاذ قد اهتبل هذه الفرصة؛ لكي يشن هجومًا دونيكشوتيًّا صاخبًا لا شيء فيه من وداعة وحكمة سانكوبانزا … وما حيلتي في العملاق الباطش العقاد المعقود؟!»

لا جديد في هذا الادعاء إلا أنه ينم على شيء من اللباقة تعلَّمَه المندور في السنين الثلاثين … فنحن نحن الذين نلاحقه بالحملة الدونكشيوتية بغير حكمة، وهو هو — ويا للبراءة! — ذلك المظلوم الذي لا حيلة له في تلك الغارة القديمة التي جعلتنا نترصَّد له في كل مناسبة وغير مناسبة، والتي بدأنا بها حياتنا القلمية؛ لنهدمه قبل أن تُوضَع فيه طوبة إلى طوبة، وقبل أن يترقَّى في «كادره» الخاص إلى مشيخة النقاد.

إنها لباقة يا شيخ!

لكنها لباقة في «زعبوط» لم يتغير فيه لون فروه الأصيل.

ومن ذا يغفل عن ذلك «الزعبوط» المعتبر حتى يبحث عن الطرفين المتهمين من منهما البادئ في كلمته، ومن هو المجيب بعد إعراض وسؤال؟!

***

يسأل السيد «حميدو الأزهري» عن مقام ومسجد رائعين بمدينة المنزلة، ينسبهما أبناء الإقليم إلى أحد كبار الصحابة، وهو القعقاع بن عمرو التميمي، ويُقام له مولد سنوي يُمَجِّده أهل المنزلة والمدن المجاورة ويحجون إليه في كل عام …

ولا خلاف في أمر القعقاع الصحابي الجليل والفارس المغوار والشاعر المبين، وهو الذي قال عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنهما: «لَصَوْت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل.» وقال عنه سعد بطل القادسية في رسالة إلى الفاروق: «لم أَرَ مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة يقتل في كل حملة بطلًا، وهو الذي غنم في كل فتح المدائن أدراع كسرى، وكان فيها درع لهرقل، ودرع لخاقان.»

وقد كان الفاروق يأمر بإقامته على مقدمة الجيش في الوقائع المهمة ومنها وقعة جلولاء.

وأحدث المراجع التي ورد فيها كلام عن مسجد القعقاع كتاب الخطط التوفيقية لعلي مبارك باشا، جاء فيه من وصف معالم المنزلة: «ومسجد القعقاع بحارة القعقاع مسجد جامع، أنشأه الحاج سويدان الخريبي، وفيه قبتان؛ إحداهما: يقال إنها للقعقاع الصحابي تُزار على الدوام، سيما ليلة الاثنين، وكان في السابق يُعمَل له مولد في كل سنة، والأخرى: يزعمون أنها لسيدي محيي الدين …»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.