فشل هجوم المصريين من الصالحية والتل الكبير في ٩ سبتمبر، ونجح الإنجليز في هجومهم في ١٢ للأسباب التي ذكرناها. هذا النجاح الذي نالوه خوَّل لهم الفرصة لدرس الاستعدادات الأخيرة درسًا محكمًا، ولتحقيق ما كان قد جمعه قلم مخابراتهم برياسة الكولونيل ريدفرس بوللمر. وباتت في قبضتهم الأرض التي يحرِّكون فيها قواتهم ويوجهونها نحوَ المواقع التي يريدون الهجوم عليها.

ففي شرقي محطة التل الكبير على الضفة اليسرى من الترعة الإسماعيلية أكمة ترتفع ثلاثين مترًا، وتشرف على السكة الحديدية الموازية للترعة، ثم تنخفض هذه الأكمة قليلًا قليلًا في اتجاه الصالحية والقصاصين.

وكانت الخطوط المصرية تبتدئ من السكة الحديد، وتسير نحو ستة كيلومترات على جانب الأكمة متجهة من الجنوب إلى الشمال، وكانت الخنادق الناشفة تحمي المتاريس وعمقها من متر إلى مترين، وكانت بعض المعاقل تحمي المتاريس. وكان على كلِّ شاطئ من شاطئي الترعة طابية مسلَّحة بثلاثة مدافع تُشرِف على القناة المقطوعة بسدٍّ متين، وكانت بطارية من مدفعين تكتسح خط السكة الحديد، وفي أعلى من ذلك نحو الجنوب تتوالى ثلاثة معاقل قوية، كل واحد منها مسلَّح بأربعة أو خمسة مدافع، وفي الطرف الشمالي معقلان غير تامين، وعلى نحو ألف متر من الميمنة طابية بيضاوية تسد الفتحة بين الميمنة والميسرة، وفيها ستة مدافع، فكانت حاجزًا قويًّا في وجه الهاجمين. وكانت وراء الخطوط الأمامية خطوط أخرى مؤلَّفة من المتاريس والخنادق، وهي تمتدُّ إلى معسكر التل الكبير.

ولا شك بأن المصريين لم يستخدموا الأسابيع التي مرت على نزول الإنجليز في الإسماعيلية لمصلحتهم؛ لأن أعمال التحصين لم تكن قد تمت ولا سيما الشطر الثاني الذي أُهمل إهمالًا كاملًا، ولم تكن الخنادق مغطاة. وأكبر من هذا الغلط أنهم جعلوا أعمال التحصين أكبر من عدد الجيش الذي يشغلها، ومع ذلك كانت تلك المواقع قوية منيعة، ولم يكن يغطيها إلا بعض الأعشاب الصغيرة.

وكان مجموع الجيش الذي يدافع عنها ٣٤ طابورًا، وثلاثة آلايات من الفرسان وسلاحها ٦٠–٧٠ مدفعًا، وينضمُّ إلى الجيش للدفاع ستة آلاف بدوي بقيادة علي الروبي، الذي خلَف علي فهمي بعد جرحه. ويقول بلنت استنادًا إلى تقرير الجنرال ولسلي إنه لم يكن عند عرابي من يصلح للرماية أكثر من ١٠ آلاف إلى ١٢ ألفًا. أما الآخرون فلم يطلِق واحد منهم رصاصة. ومن الأخطاء الكبرى أنهم تركوا في دمياط القوة السودانية بقيادة عبد العال، وهي القوة الرهيبة بالفعل، كما تركوا في خطوط كفر الدوار ستة آلاف جندي نظامي بقيادة طلبة. عندما انكسر الجيش المصري في التل الكبير، وصلت أورطتان من كفر الدوار إلى الزقازيق.

أما جيش الجنرال ولسلي الذي أعده للقتال والهجوم منذ ١٢ سبتمبر، فكان مؤلفًا من ١٢ ألفًا من المشاة، ومن ألفي فارس، وسلاحهم ٦٠ مدفعًا. ولم يكن باستطاعة الجيش الإنجليزي اللف والدوران من الجهة الجنوبية؛ لأن أرض الوادي كانت أرضًا زراعية تخترقها الأقنية والترع خلافًا للجهة الشمالية في طريق الصالحية.

ولما كان ولسلي يريد مباغتة الجيش المصري، نهض بجيشه ليلًا تحت جنح الظلام، فاجتاز منطقة الخطر، ووقى رجاله شرَّ الحر، ولم يخشَ البدو بل استعان بهم، فأرشدوه وفتح لهم علي حسن الطريق.

حشد الجنرال ولسلي جيشه كله على مسافة ستة كيلومترات من جيش عرابي، وفي الساعة الواحدة والنصف صباحًا تقدَّم الجيش كلُّه نحوَ موقع المصريين ما عدا الآلاي العشرين الذي كانت مهمته الاستيلاء على محطة التل الكبير، على شرط أن يزحف إليها بعد ساعتين من قيام القوة بها؛ لأنه سيمر ببلاد مسكونة يدب فيها الرعب فتوقظ جيش عرابي.

وكان ضباط البحرية يُرشِدون الجيش على ضوء النجوم، كما يرشدهم البدو على الأخشاب التي غرزها الجنرال ولسلي في هجمة ١٢ سبتمبر. ومن غرائب الأمور أن الآلاي الإنجليزيَّ الأول وصل إلى المعسكرات الأمامية دون أن يقابل ديدبانًا ولا حارسًا ولا خفيرًا، ومرَّ الآلاي الإنجليزي حول الطابية المستديرة التي كانت تحمي ميمنة المصريين دون أن يحسَّ به أحد، ولكنهم سبقوا بقيةَ الجيش فاصطدموا بالمصريين.

وقد قال الجنرال هاملي في تقريره:

إنه عند بدء الاصفرار على نجوم الفلك مؤذنًا بقرب طلوع الفجر، سمعنا بعض طلقات البنادق؛ ربما كان مطلقوها الديدابانات أو الحراس أمام موقع العدو، فلم نأبه بتلك الطلقات — وإن كان أحد جنودنا قد قُتل بها — ومكثنا نتقدم، ثم سمعنا صوت النفير، ومضت بعض دقائق على ذلك الصوت، ثم انصبَّ من المعاقل وابل من الرصاص. وأعترف أني لأول مرة رأيت رجالي على نور لهب البارود، ثم عرف النفير نغم الهجوم، فهمَّت الصفوف صائحة صيحة القتال، واندفعت إلى الأمام اندفاعَ السيل، وكانوا حينئذٍ على نحو ١٥٠ يردة من معاقل العدو؛ فسقط ٢٠٠ جندي، وخسر طرف الميسرة وحده ٥ ضباط و٦٠ جنديًّا قبل الوصول إلى الخندق. وهجم الآلاي الإنجليزي على الطابيتين اللتين كانتا تحميان النقط المهمة، وقبض من الثور على قرنيه بهجومه عليهما؛ لأنه عطل دفاعهما، بينما كان المشاة الآخرون يهاجمون الخنادق ويفتكون برجالها. وهكذا دخلوا في معاقل المصريين إلى ٣٠٠ متر ومائتي متر، وحينئذٍ صار هذا الآلاي بالوسط والرصاص يتطاير إليه من كل جانب. وعند الصباح أخذت البطاريات المصرية تضربنا، ولولا هجومنا ليلًا ولولا أن رصاص المصريين كان عاليًا، لكانت خسارتنا كبيرة.

ولم يذكر هذا الجنرال في تقريره أن علي الديب أو علي خنفس هو الذي كان يتولَّى قيادة الطليعة، وهو الذي فتح لهم الطريق حتى وصلوا للخنادق.

أما جيش الجنرال السير وود، فإنه لقي الصعاب الشديدة؛ لأنه اصطدم بآلايين سودانيين بقيادة الميرالاي محمد عبيد، فثبت الآلايان في وجه الإنجليز، وردوا قِسمًا منهم إلى الوراء، فاضطرَّ القائد العامُّ أن يمدهم بالاحتياطي فاستأنفوا الهجوم. وأسرع آلاي جراهام للنجدة، وكان على نحو كيلومتر، وهكذا استطاعوا أن يردُّوا قوة محمد عبيد؛ لأنهم أخذوها من كل جانب، ولكن بعد خسائر كبيرة ومتاعب شديدة. وفي الوقت ذاته هجمت قوة الفرسان الإنجليزية متجهة بهجومها نحو محطة التل الكبير على ميسرة المصريين، فوقع الخلل والاضطراب في صفوف المصريين الذين تفرَّقوا في كل صوب، فلحق بالفارين أكثرُ الجيش الإنجليزي، وتحوَّل بعضه إلى البقية الأخرى منه في الخنادق، وأخذ جيش مكرفرزون يدكُّ الحصون الشرقية المطلة على القناة وخط السكة الحديدية.

وكانت خسائر الإنجليز ٩ ضباط قتلى، و٤٨ صفَّ ضابط قتيلًا، و٢٧ ضابطًا جريحًا، و٣٥٥ ضابطَ صفٍّ وجنديًّا جريحًا.

أما خسارة المصريين فلم تُعرف بالضبط، فقدَّروها تقديرًا بين ١٥٠٠ و٢٠٠٠ قتيل وجريح، وهذا التقدير خيالي.

أما أقوالهم في هذه المعركة فكثيرة، فنينه سكرتير عرابي يقول إن الذي كسر عرابي ليس الجنرال ولسلي بل هو سلطان باشا. وبلنت يقول إن قائد القوات الأمامية نقل قواته ليفتح الطريق لجيش ولسلي، وإن الميرالاي علي يوسف هو الذي أرشد الإنجليز إلى الطريق؛ لأنه وضع مصباحًا على الخنادق التي كان قد أخلاها من الحامية. وقال سواه إن ضباط الخديوي ورجال سلطان باشا كانوا في المقدمة.

أما الصحافيون الفرنساويون، فإنهم اتهموا عرابي بأنه ضحَّى بجنوده ووطنه مقابل سلامة رأسه والعيشة الرغيدة في مكان طيب، وأن الاتفاق تمَّ على ذلك بواسطة العسكري شير الذي زعموا أنه أُخذ أسيرًا، والصحيح أنه كان رسولًا. ويقول ولانوس قنصل فرنسا في الإسماعيلية: إن الاتفاق تمَّ بين سلطان باشا ورسول عرابي في ليلة ٩ سبتمبر، فاتفقوا على الشروط الآتية:

الأول: العفو عن عرابي ورفاقه، ما عدا سليمان داود الذي أحرق الإسكندرية والسيد موسى العقاد وسيد قنديل.الثاني: عزل الخديوي.الثالث: إعلان استقلال مصر.الرابع: الاعتراف بالديون التي استدينت إبَّان الحرب، ومقابل هذا يتولى الميرالاي علي يوسف قيادة الجنود الإنجليزية ليلًا إلى المعسكر الذي يسلم لهم.

كل ذلك أو بعضه من الأقاويل التي لم يثبت منها الشيء الكثير، ويقدم الكثير من الأدلة على بطلانها.

والآن نسمع حديث عرابي ينقله عن راويه بنصِّه، قال حديث رئيس الوطن وحامي حماه عن هذه المعركة، فقال: كنت عند بدء ضرب النار على مقدمة المتاريس نائمًا، فاستيقظت من النوم فإذا بعلي الروبي يرسل إليَّ أن أُغيِّر الموقف؛ لأن العدو يهاجمنا من الجنب. وبعد أن صليت ركبت جوادي إلى حيث كان المتطوعون — وهم من الفلاحين لا من الجنود — فلما سقطت القنابل بينهم فروا، فركضت بجوادي وليس معي سوى خادمي محمد الذي تناول لجام الجواد وطلب مني أن أعود القهقرى. ولما عرفت أنَّا خسرنا المعركة حوَّلت رأس جوادي من جهة الوادي إلى التل الكبير فالإسماعيلية، حتى وصلت إلى بلبيس حيث وجدت علي الروبي، فتشاورنا بإقامة معسكر هناك، ولكن عند ظهور فرسان «دروري لو» فَرَّ الجميع، فركبت قطار القاهرة.

وقال ميخائيل بك شاروبيم: لما سمع عرابي أصواتَ البنادق والمدافع، هَبَّ من نومه وأسرع في الخروج من خيمته ومعه عبد اللَّه نديم، فركب فرسًا، وركب عبد اللَّه فرسًا آخر، ومعهم جماعة من الفرسان يريدون بلبيس. وترك عرابي ما كان في سرادقه من ورق ومال، فركض خلفهم جماعة من الفرسان الإنجليز، وما زالوا حتى وصلوا إلى أنشاص الرمل. واتفق أن قطارًا من قطارات المهمات كان آتيًا إلى القاهرة، فركضوا وراءه حتى ركبوا آخر عربة فيه إلى القاهرة. وكان المرحوم محمد بك خطاب يروي القصة ذاتها، فيقول أنه كان نائمًا في خيمة عرابي؛ لأنه لحق به بعد أسر محمود بك فهمي، فلما استيقظوا على إطلاق القنابل هبَّ عرابي من نومه وركب فرسه وتوارى، فحاروا في أمرهم حينًا ثم أركنوا جميعًا إلى الفرار.

ودخل عرابي القاهرة والجماهيرُ تطوف الشوارعَ في الساعة ٨ صباحًا، وأمامهم أرباب الطرق والرؤساء وهم يصيحون: يا لطيف يا جبار، أهلكْ عسكرَ الكفار. وكان المؤذنون يؤذنون على المآذن لكثرة ما أرسله عبد اللَّه نديم من أخبار النصر والظفر. ولما أُعلن خبر وصول عرابي قالوا إنه أحضر معه رأس سيمور ورءوس القُواد وكبار الإنجليز والمصريين، فاشتدَّ الضجيج وزغاريد النساء، وأُقفلت المدينة كلها، ولكن إبراهيم فوزي سارع إلى تفريق الجماهير وإسكاتها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.