قرأت اليوم في الأخبار أسماء أكثر من عشرة من نوابع فن الموسيقى وفن الغناء في الجيلين الماضيين؛ ومنهم: عبده الحامولي، وألمظ، ويوسف المنيلاوي، وداود حسني، وعبد الحي حلمي، ومحمد السبع، وسلامة حجازي، وأمين البوزري، والسيد الصفتي، ومنيرة المهدية، ومحمد العقاد، وغيرهم من زملائهم وأندادهم الذين جددوا الموسيقى والغناء منذ أواخر القرن الماضي إلى أوائل هذا القرن العشرين.

قرأت هذه الأسماء في خطاب للسيد «محمود سعيد الحضري» إلى الأستاذ محمد زكي عبد القادر في كلمته «نحو النور»، وعرفت من تقديم الأستاذ زكي أن صاحب الخطاب جاوز الخامسة والتسعين، وأنه يسأل: هل يرضيك أن نُحرم من سماع غناء «زمان» الساحر؟ ويذكر — على سبيل المثال — غناء أولئك الرواد المبدعين مشفوعًا بالأسف والأسى والحنين!

ومن حق السيد الحضري — ولا ريب — أن يَحنَّ إلى سماع تلك الأصوات التي سماها بالساحرة — ولم يبالغ في وصفه — لأن المتفق عليه أن طائفة منهم كانت لهم «أصوات» أحلى وأوفى، وأجزل وأفضل من أصوات معظم المغنين الذين نشئوا بعدهم إلى هذه الأيام، وأنهم كانوا روادًا مبدعين كان لهم الفضل الأول في نقل الغناء من التقليد المتكرر إلى النغمة الحية ذات الألوان والأفانين التي تقول للسامع شيئًا يعنيه، ولا تعيد إليه أصداء الآلات كما سُمعت قبل ذلك مئات السنين.

وقد كانت أدوار الغناء من قبلهم أشبه شيء برسائل الدواوين، يتناقلها الكُتاب عن آبائهم وأجدادهم جيلًا بعد جيل كما حفظوها من الديباجة إلى «التقفيلة» في الختام، فلما نبغ هؤلاء الرواد تصرفوا وأحسنوا التصرف في توقيع أدوارهم على آلات الموسيقى على حسب القواعد والأصول، مع استقلالهم بالذوق والفهم فيما يختارونه من تلك القواعد والأصول، ولا يُعاب عليهم في عصرنا هذا إلا أنهم أسرفوا في «التطبيق»، حتى كادت أدوارهم أن تكون «تمرينات» على أصناف الأنغام والمقامات الموسيقية؛ كتمرينات المبتدئين بتعلم اللغة العربية على قواعد النحو والصرف في كتابة موضوعات الإنشاء، وكانوا — من أجل ذلك — يفتتحون السهرات دائمًا بعرض هذه «التمرينات» على كل آلة من آلات الطرب.

وتلك هي «التقسيمات» التي كانوا يُوقِّعونها على القانون، وعلى العود، وعلى القيثارة، وعلى الناي وغيرها من «آلات» التخت إلى أن تنتظم مرة واحدة في توقيع ألحان الدور المنتظر عند ابتداء الغناء. ولعل هذه المرحلة كانت إحدى الخطوات اللازمة في ذلك الدور من أدوار التجديد الذي كان يصاحب إحياء الفن، والعودة إلى التصرف في تطبيقه بعد ترديده زمنًا على سنة التكرار والتقليد، ولم يستطيعوا التخلص من هذه الفاتحة الضرورية قبل انقضاء جيل كامل إلى ما قبل منتصف هذا القرن العشرين، وكانت علامة هذا «التخلص» أن يرفع الستار عن «التخت» مستعدًّا في اللحظة الأولى لتوقيع أنغام الدور بغير «تمرين» ولا «تمهيد»، أو بغير «بشارف» ومطالع كما كانوا يقولون في اصطلاح ذلك الجيل.

وقد سمعت هؤلاء الرواد جميعًا ما عدا عبده الحامولي وألمظ، ويشوقني أن أعود إلى سماعهم بغير استثناء؛ لأنهم كلهم قد توافرت لهم حلاوة الصوت، وبراعة الأداء، والأستاذية أو «المعلمة» — معلمة الريس على تخت الغناء — ومنهم من أستعيد حياته لو فُتحت لي ليلة القدر التي يُستجاب فيها الدعاء؛ لأنه أهل لأن يُسمع في هذا الزمن، وبعد هذا الزمن، كما سُمع في زمانه الذي نشأ فيه. ولا أعتقد أن «صوت» سلامة حجازي أو ترنيم أمين البوزري على الناي ينقضيان بانقضاء زمن من الأزمان، على خلود الإنسان في كل آونة، وفي كل مكان.

ولكننا على فرط إعجابنا بمَن هم أهل للإعجاب من بلابل «زمان» الساحر لا نود للغناء الحديث أن يعود جملة واحدة إلى مثل نشأته قبل مائة سنة، أو قبل خمسين سنة، على عهد المنيلاوي، والسبع، وعبد الحي حلمي، وداود حسني، وإخوانهم المعروفين؛ فإنها خطوة من خطوات الزمن تُذكر وتُستعاد، ولكنها لا تعود للبقاء ولا لإلغاء ما بعدها من الخطوات.

والعمل هنا عمل «الإذاعة» وسهرات العرض المتجدد على سبيل التذكار، فليس ما يمنع المشرفين على تطور الفن أن يتذكروا المراحل الأولى من الموسيقى والغناء حينًا بعد حين، ولا يشق عليهم — فيما نرى — أن يخصصوا في كل موسم سنوي حفلة كاملة لفن الحامولي، أو فن الشيخ سلامة، أو فن ألمظ، أو فنون أمثالهم بين المغنين والمغنيات؛ فإنما لمثل هذه الإعادة وجدت أدوات التسجيل والحفظ والتدوين، ومن سبق بالزمن هذه الأدوات فليس من العسير أن تضبط ألحانه على حسب السماع من الحفظ والرواية، وأن يتولى إعادتها أقدر المطربين المعاصرين على محاكاته بصورته وأدائه.

وسوف يتلقى المعاصرون هذه الحفلات كما يتلقون الجديد من مبتكرات هذه الأيام؛ لأنها جديدة بالنسبة إليهم، ومفيدة لهم وللسامعين القدماء على سبيل الذكرى والوفاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.