من حق الذين يدرسون حياة الأمم، ويتفكرون في سياسة الشعوب أن يدرسوا حياة مصر، ويتفكروا في سياسة المصريين، فهم سيجدون من غير شك في هذا التفكير وذلك الدرس لذة قيمة، ومتاعًا خصبًا، وسيضيفون إلى فلسفة السياسة والتاريخ فصلًا طريفًا، بل فصلًا من أطرف الفصول! فلسنا نعلم أن فلسفة السياسة والتاريخ قد سُجِّلَتْ قبل اليوم هذا النحو الذي نشهده في مصر الآن من الدعابة المتصلة بين الحاكمين والمحكومين، ومن المزاح الذي لا ينقطع بين الشعب والوزراء. وإنما الذي نعلمه هو أن الحكومات قد تظلم وتتجاوز الحدود؛ فلا تلقى من الشعوب إلا سخطًا يسقطها إن كانت الشعوب قوية، ويمضها إن كانت الشعوب ضعيفة. وقد تَعْدِلُ وتحرص على حماية القانون والدستور فترضى الشعوب، وتستقيم الأمور، وتجري الأحوال هادئة مطمئنة، ويمضي الناس إلى أعمالهم في رضًا واستقرار. فأما أن تَخْرُجَ الحكومات على القوانين، وتتجاوز الوزارات حدود النظام وهي باسمة لذلك راضية به، ممعنة فيه، فتلقاها الشعوب ضاحكةً مغرقة في الضحك، مازحةً ممعنة في المزاح، جادة في حمل الحكومة على ما هي فيه من لهو وعبث، فهذا هو الشيء الطريف حقًّا، الذي لم يسجل في تاريخ أمة من الأمم، ولم يتناوله فلاسفة التاريخ والسياسة بالدرس والتحليل.

وقل ما شئت فيما يحدث في مصر الآن، فلن تستطيع أن تنكر أن وزارتنا تلعب مع الشعب، وأن شعبنا يلهو مع الوزارة، وأن أمورنا تسرع في كل يوم إلى أن تستحيل إلى لهو يوشك أن يتجاوز كلَّ حد، وأن لا يقف أمره علينا، بل يتجاونا إلى غيرنا من الناس.

منذ أكثر من أسبوع هَمَّ رئيس الوفد أن يزور إقليمًا من الأقاليم، فأبت الحكومة عليه ذلك، وجَدَّتْ في منعه منه، وأقامت من الشرطة والجيش ومن العدد والعدة ومن المضايق والجسور، حوائل وحواجز بينه وبين هذا الإقليم. ولم تقف عند هذا، بل حاصرت دور جماعة من الوفديين في هذا الإقليم، واحتلت دور جماعة أخرى، ومنعت عضوًا من أعضاء الوفد أن يدخل داره أو يعود إلى أهله، أو يبلغ قريته، أو يصل إلى إقليمه. وأقامت على حدود الإقليم مما يلي القاهرة ومما لا يليها فرقًا من الجند، تمنع الناس أن يصلوا إليه أو أن يخرجوا منه، سواء أكان هؤلاء الناس من أعضاء الوفد ولجانه أم من غير أعضاء الوفد ولجانه. وَضَعَتْ هذا الإقليم وحدوده تحت الحصار، أو تحت الأحكام العرفية كما يقولون، وكانت في هذا كله معتدية على القانون، مخالفة للدستور متجاوزة لحدود النظام، فلو أن شيئًا كهذا حدث في أي بلد آخر من البلاد المتحضرة التي لا سلطان للأجنبي عليها؛ لما بقي الوزراء في مناصبهم يومًا أو بعض يوم، ولما استطاع الوزراء بعد خروجهم من الحكم أن ينفقوا أسبوعًا أو بعض أسبوع دون أن يسألوا عمَّا فعلوا، ودون أن يحاسبوا على مخالفتهم للنظام، الذي أُقِيمُوا لحمايته والمحافظة عليه. ولكن الذي حصل في مصر هو أن الأمر لم يكد يتم حتى استحال من وضعه الطبيعي إلى وضع آخر. كان مأساة فاستحال مهزلة، كان جِدًّا فأصبح لعبًا، وانقلب بيت أبي نواس رأسًا على عقب، فأبو نواس يقول في غزله الظريف:

صار جِدًّا ما مزحت به

رب جِدٍّ جره اللعب

ونحن نقول: صار لعبًا ما بدأنا به جادين، ورب لعب يجره الجِد، ورب عبث ينتهي إليه الحزم!

عاد رئيس الوفد من رحلته بعد أن سَجَّلَ على الوزارة ضعفها الذي يلبس ثوب القوة، وعجزها الذي يتخذ شكل القدرة، ولهوها الذي يتزيَّا بزي الجِد. ثم أعلن أنه مصمم على زيارة هذا الإقليم، وأنه سيزوره من غير شك، وأن الوزارة خليقة أن تحذر وتحتاط؛ لأن هذه الزيارة شيء واقع، ليس له دافع. ومن ذلك الوقت استحالت المأساة إلى مهزلة، ومن ذلك الوقت انقلب بيت أبي نواس، فأصبح سقفه إلى تحت، وأساسه إلى فوق. ومن ذلك الوقت بدأ المصريون جميعًا يضحكون! رئيس الوفد مقيم في القاهرة يتردد بين داره وبين بيت الأمة والنادي السعدي، وما أراد من الأماكن في أنحاء المدينة وأطرافها؛ يستيقظ إذا كان النهار، وينام إذا جنه الليل. ولكن الوزارة ساهرة لا تنام، متعبة لا تستريح، مضطربة لا تطمئن، منغصة لا تعرف راحة النفس، ولا استقرار الفؤاد؛ ذلك لأن رئيس الوفد أعلن أنه سيزور الإقليم، وحذر الوزارة من هذه الزيارة؛ فالوزارة حاذرة قلقة، مصممة على أن تمنع رئيس الوفد من زيارة هذا الإقليم، وكيف تمنعه إذا لم تحتفظ بالعدد والعدة وبالجند والشرطة، وإذا لم تمضِ في مراقبة الحدود وحماية الجسور ومحاصرة الدور، وإذا لم تستبقِ الأحكام العرفية في هذا الإقليم وفي جميع حدوده من جميع الجهات؟ وأخبار هذه الأحكام العرفية، وأخبار هذا الاستعداد الحربي المتصل تنشر في الصحف، ويتحدث بها الناس، وتنتهي إلى رئيس الوفد وأعضاء الوفد، فيضحك الناس جميعًا؟ وماذا تريد أن يفعلوا؟ وكيف تريد أن يلقوا بالجِد عملًا قوامه العبث واللهو؟ وكيف تريد أن يغضبوا من وزارة تزعم أنها قوية كأقوى ما تكون الوزارات، وترهب في الوقت نفسه رجلًا واحدًا رهبة لا تعرفها الوزارات، تخاف من ظله، وتخاف من ذكره، وتخاف مما يتصل به من الإشاعات، وتجرد جزءًا ضخمًا من قوتها لتحمي نفسها من هذا الرجل، ولتحمي إقليمًا من أقاليم مصر أن يزوره هذا الرجل أو يلم به.

تحميه من الشَّمال وتحميه من الجنوب، تحميه من الشرق، وتحميه من الغرب، وتحميه على الأرض، وتحميه من السماء، من ماذا؟ من أن يزوره رجل واحد هو رئيس الوفد! يسرف المصريون على أنفسهم إن نظروا إلى هذا كما ينظرون إلى الجِد، ويسرف المصريون على أنفسهم إن لقوا هذا كله كما يُلقى الجِد. فلم يرَ المصريون قط وزارة تخاف من رجل واحد إلى هذا الحد؛ فتظلم لهذا الخوف إقليمًا كاملًا ظلمًا متصلًا يُعَطِّلُ مصالحه، ويَفْصِلُهُ عما يجاوره من الأقاليم. وتظلم لهذا الخوف جزءًا ضخمًا من الشرطة والجند، تضطرهم إلى العمل في أوقات السلم والأمن، كما تعمل الشرطة والجند في أوقات الفزع والخوف. وهذا الرجل الذي تخافه الوزارة إلى هذا الحد مستقر في القاهرة يغدو إلى بيت الأمة ويروح إلى داره، ويلقى الناس ويلقاه الناس، وهو مع ذلك مصمم على أنه سيزور هذا الإقليم، وعلى أن من الحق على الوزارة أن تحذر من هذه الزيارة وأن تحتاط لها. والغريب أن تصميم هذا الرجل لا هزل فيه ولا مزاح؛ فهو سيزور هذا الإقليم من غير شك. ويكفي أن تلغي الوزارة مراقبة حد من حدود هذا الإقليم لترى رئيس الوفد قد نفذ من هذا الحد إلى أهل الإقليم؛ وإذا هو بينهم، وإذا هم من حوله، يقدمون إليه ما لا تريد الوزارة أن يقدموا إليه من مظاهر الإكبار والإجلال. وما دام هذا الرجل مصممًا تصميم الجاد الذي لا يمزح على زيارة هذا الإقليم؛ فيجب أن تصمم الوزارة تصميم المازح الذي لا يجد على حماية هذا الإقليم.

وكذلك يضحك المصريون الذين لا تحفل بهم الوزارة، ويضحك الأجانب الذين تحسب لهم الوزارة كل حساب، ولا تقل لرئيس الوفد: حسبك قد بلغت ما تريد؛ فأرح الوزارة وأرح الشرطة وأرح الجند من هذا العناء! فرئيس الوفد لم يبلغ ما يريد؛ لأنه يريد زيارة الإقليم، ومن حقه بحكم الدستور القديم والجديد وبحكم القانون المكتوب وغير المكتوب، أن يزور هذا الإقليم وما يشاء من الأقاليم الأخرى. ومن حقه أن يصمم على هذه الزيارة، وأن يعلن رغبته فيها وإصراره عليها، ومن الحق على الوزارة أن تخلي بينه وبين حقه الطبيعي في أن يزور ويُزَارَ كما يشاء، ومتى شاء، وأين شاء؛ فليس لك إذن أن تطلب إليه العدول عن هذا الحق. ولا تقل للوزارة: حسبك فقد بلغتِ ما تريدين، ومنعتِ رئيس الوفد من زيارة هذا الإقليم، فأريحي واستريحي! فإن الوزارة لم تبلغ ما تريد؛ منعت رئيس الوفد أمس، ولكنها لم تمنعه اليوم، ولن تمنعه غدًا. وما دام رئيس الوفد قادرًا على أن يزور القليوبية، فالوزارة مضطرة إلى أن تتعب نفسها، وتتعب الناس لتحول بينه وبين ما يريد.

وعلى هذا النحو سيظل رئيس الوفد مصممًا على أن يزور، وستظل الوزارة مصممة على ألا يزور، وسيظل الجند مجردًا، والشرطة محشودة، ومصالح الناس معطلة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

وهَبْ رئيس الوفد أعلن اليوم أو غدًا أنه سيزور إقليمًا آخر من أقاليم مصر، وهبه أعلن من حين إلى حين أنه سيزور إقليمًا من الأقاليم؛ فماذا تريد الحكومة أن تصنع؟ أتريد أن تدور بالجند والشرطة في أنحاء مصر؟ أم تريد أن تقسم ما عندها من الجند والشرطة على الأقاليم المصرية لتحمي أرض مصر من زعيم المصريين؟! وهب أعضاء الوفد قسموا أنفسهم على الأقاليم، وقرروا أن يزور كل واحد منهم إقليمًا، وأن تكون هذه الزيارات كلها في يوم واحد، فهل تريد الوزارة أن تعلن الأحكام العرفية في مصر كلها، كما أعلنتها في القليوبية منذ أكثر من أسبوع؟ أم هل تريد الوزارة أن تعلن الأحكام العرفية في القاهرة لتمنع أعضاء الوفد من تجاوز القاهرة؟ أم هل تريد الوزارة أن تقبض على رجال الوفد وتحتجزهم عندها كما يُحْتَجَزُ الأسارى؟ أليست الوزارة ترى أن ما تفعله من هذا كله لا يعدو أن يكون هزلًا من الهزل، وعبثًا من العبث لا يليق بحكومة تعيش في هذا العصر الذي نعيش فيه؟! أم هل فقدت الوزارة حتى تقدير ما يضحك وما لا يضحك؟ إحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة مطمئنة إلى قوتها وثقة الشعب بها، ورضاه عنها؛ وإذن فلا ينبغي لها أن تخاف من رئيس الوفد ولا من طوافه في الأقاليم. وإما ألَّا تكون الوزارة واثقة بشيء ولا مطمئنة إلى شيء؛ وإذن فلن ينفعها تجريد الشرطة ولا حشد الجنود، ولا ينبغي أن يقول أنصار الوزارة: إن كان الشعب ساخطًا على الوزارة حقًّا، ضيقًا بها حقًّا، فما سكوته عنها، وما صبره عليها، وما احتماله لها؟ لا ينبغي أن يقول أنصار الوزارة هذا؛ فهم يعلمون حق العلم أن أمر الوزارة أيسر على الشعب من أن يُجَرِّدَ لمخاصمتها سلاحًا غير هذا السلاح الذي يحاربها به، وهو سلاح الصبر والضحك والانتظار، وسيرون أن هذا السلاح أمضى وأنفع وآمن عاقبة على مصالح مصر من أي سلاح آخر.

فلتمضِ الوزارة في العبث، فستتعب منه قبل أن يتعب الشعب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.