إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.

والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!

هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.

ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.

هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.

أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.

وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.

هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.

كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.

وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.

فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.

هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.

وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.

وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.

وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.

فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.

وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.

وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.

وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.

وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:

ومكلف الأشياء ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.