نقلت برقيات الأمس أن جائزة نوبل للسلم عن سنة ١٩٢٩، أُهدِيت إلى المستر فرنك كيلوج الأمريكي، وأن الجائزة نفسها عن ١٩٣٠ أُهدِيت إلى موسيو ناثان زودربلوم الأسوجي، أسقف أوبسالا.

تقضي اللياقات العصرية بمعرفة كل شخصية كبيرة يَرِد ذِكْرُها في الأنباء، ومن عسف تلك «اللياقات» الإصلاحية أن «يتظاهر» المرء بالمعرفة وإن كان غارقًا في الجهل إلى أدق شعرة من شعر رأسه، كما هو الواقع لي ولغيري في شأن هذا الخبر الجليل؛ لأنك مثلي أيها القارئ، إنْ أنت عرفت عرضًا عن طريق كتب الجغرافيا أن أوبسالا مدينة أسوجية كانت في الماضي إحدى عواصم إسكندنافيا القديمة، وأنها كرسي الأسقفية العليا في مملكة أسوج، فأنت مثلي كذلك لا تخجل من جهلك لجهود ذلك الرجل الصالح. في سبيل الإخاء الإنساني تنضم إليَّ في الشكر للجنة نوبل؛ لأنها كافأت الفضل وعرَّفته إلينا في آنٍ واحد!

أما المستر فرنك كيلوج وكيل وزارة الخارجية الأمريكية سابقًا، والقاضي في محكمة العدل الدولية العليا بمدينة لاهاي حالًا، فهو من الأسماء التي ذاع صيتها بواسطة الميثاق المعروف «بميثاق كيلوج» الذي يقضي بأن الدول الموقِّعة على ذلك الميثاق تستنكف الالتجاء إلى الحرب؛ لحسم ما يعرض فيما بينهما من الخلافات، وتتعهد بأن تعمد في فض مشاكلها وخصوماتها ودعاويها إلى وساطات المفاوضة والتحكيم.

لست أدري هل كان «ميثاق كيلوج» لينفذ فعلًا في الأعوام السالفة لولا أن بعض الدول الموقِّعة عليه لم يكن من مصلحتها أن تركن إلى السلم ولو مؤقتًا، ولولا أن بعض الدول الأخرى لم تكن على استعداد تام لخوض المعارك الكبيرة.

بَيْدَ أن «للمسكِّنات» فِعْلَها في السياسة الدولية كما في الحياة الفردية، والناصح بها يستحق فعلًا التقدير والتكريم، رغم أن تلك «المسكِّنات» توسع في الوقت لاستكمال المعدات، وتزيد الدول حذقًا في التأهُّب والاستنباط.

أظن أن نابليون الأول هو الذي قال: «إن تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عامًا على الأقل» أيْ بتربية والدته منذ نعومة أظفارها، وعلى هذا القياس يصح القول إن الحروب تبدأ قبل يوم إشهارها بأعوام عديدة.

تبدأ باستياء الغاضبين وبطموح الراضين، تبدأ بامتداد أنظار الدول إلى هذه البقعة أو تلك، وبمناورات الدبلوماتيكا والسياسة المتنوعة بغية التسرب والتدخل و«خلق المصلحة» و«وضع القدم»، تبدأ باستعداداتها العلنية والخفية حربية وغير حربية، ولا سيما بتغذية الشعوب بروح الغطرسة القومية والمجد العسكري، والمطمع في العظمة الواسعة والسلطان المترامي، وبالكراهية لكل دولة أخرى، والحفيظة المتضخمة نحو كل من يقف في طريقها.

وهذه الانفعالات تجد لها الآن في كلٍّ من أنحاء العالم ميدانًا، وأصداؤها تعج وتتلاطم في الكتب والمجلات والصحف والبرقيات، وفي السينما والراديو أيضًا، ولكلٍّ من تلك الانفعالات غرضٌ، ولكلٍّ من هاتيك الأصداء دعاية، ولئن سمعنا أصواتًا عديدة تنكر الحرب وتدعو إلى السلام، فالمحور الذي تدور اليومَ الدولُ حوله هو واحد، وهو امتشاق الحسام.

امتشاق الحسام!

كم تبدو هذه الكلمة عتيقة رثة واهية إزاء كل ما ابتُكِر من أدوات الهلاك والقتل والتدمير! وما السيف إلا رمز فقط لفوهات المدافع والقذائف والغازات المهلكة، ولسائر ما تهيئه الكيمياء والكهرباء والميكانيكا والهندسة من أسباب الردى، أما الطيارات والمناطيد، تلك الأعاجيب الإنسانية الفتَّانة، فسيكون من وظائفها مهاجمة الخصوم والأعداء ومن هم في حكم هؤلاء، ليس فقط في مناطق الحرب والقتال، بل في المناطق المدنية البعيدة الهادئة.

الواقع أنَّ بينا السفراء والوفود والممثلين السياسيين ينتقلون من مدينة إلى مدينة لعقد المؤتمرات، والمناقشة حول الموائد الخضراء المستديرة والمربعة والمستطيلة — فإن معامل الغرب تظل عاكفة على إخراج معدات الحرب وذخائرها مما هو معلوم، ومما قد يكون مجهولًا تكتم سره كل دولة من ناحيتها كيلا تُمكِّن منافساتها من اختراع ما يشبهه ويبزُّه أو يقاومه.

غير أن الأخبار تتسرب أحيانًا؛ فنسمع مرة عن «الشعاع الجهنمي» الذي اخترعته إحدى الدول، وهو يفني كل نسمة حية إنسانية أو حيوانية أو نباتية على مدى عدة كيلومترات، وتارة عن «الفيض الكهربائي» الذي يقتل على بُعْد مسافات شاسعة، ويشل في الأرض مقدرة النضج والإنتاج، وطورًا عن الألغام الكهربائية التي ما يُطلَق فيها المجرى تحت الأرض حتى تتكهرب فوقها كتائب المحاربين، وحينًا عن صنوف السابحات تحت الماء وفوق الماء مما يمنطق البحار بنطاق من الحديد والنار، ولو كنتَ شاعرًا على الطراز القديم، لقلت إن اليَمَّ مِعْصَم والنار حوله سِوَار!

وهذه المعدات يتطوع للعمل بها ويُسَخَّر في سبيلها العلماء والمهندسون والميكانيكيون والكيميائيون والعمال على السواء، والعلم الذي به نال الإنسان مكانته فوق سائر الخلائق ومكَّنه من التغلب على طائفة من قوى الطبيعة الجبارة، ها هو ذا يصبح في يد الإنسان أداة يسلِّطها على نفسه!

***

يُروَى عن إمبراطور ألمانيا السابق قوله قُبَيْل الحرب الأخيرة «ويلٌ للمغلوب»! ولكن الأصح أن يقال: ويلٌ للمغلوب وللغالب جميعًا؛ لأن نتائج الحرب وبيلة على جميع المتفائلين، وعلى الذين لم يشتركوا في القتال ولم يريدوا أن يشتركوا أيضًا، وليس من أقل تلك النتائج اختلالُ التوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي نراه الآن مثيرًا للزعازع والعواصف في جميع البلدان، وهو بلا شك من نتائج الحرب الأخيرة والحروب التي سبقتها. وليس من أقل تلك النتائج الاختلالُ الأخلاقي بين الأفراد كذلك، فعندما تعتاد الملايين القتل والفتك والتدمير، وتأتي بالفظائع شرعًا وقانونًا، ويؤيدها في ذلك قومها أجمعون على مدى الأعوام، فهل من قوة في الأرض تقوى بعدُ على كبح تلك الغرائز القديمة في انطلاقها وجموحها؟ وهل يمكن ألا يبتكر بعدئذٍ كلٌّ لنفسه نظامًا خاصًّا تُحسَب فيه المخاتلةُ والغدر والوقاحة والاحتيال والمكابرة مظاهرَ من الحذق والذكاء؟

عبثًا يبرر أنصار الحرب نظرياتهم بدعوى نشر الحضارة والثقافة، وتسليك المشاكل الاقتصادية، وإيجاد ميدان عمل للعاطلين، وبخاصة أن الحرب في طبيعة الإنسان كما هي في طبيعة الخليقة، وأنها تشحذ قوى الحذق والاستنباط، إن هذه النظريات لا تقنع اليوم أحدًا؛ فإذا كان النضال في طبيعة الإنسان، فإن مظاهره — واأسفاه! — لا تعوزنا في الحياة اليومية العادية دون حرب شعواء، ونشر الثقافة والحضارة متيسِّر في السِّلْم الدولي وبالاتفاقات السلمية، دون أن يطمع أحد في متاع جاره، وتسليك المشاكل الاقتصادية أيسر في السلم بالتعاون والطمأنينة والثقة، ولكن للوصول إلى مثل هذه الحالة من التفاهم يجب أن تغيِّر كلُّ دولة وكلُّ فرد من كل دولةٍ العقليةَ التي شبُّوا عليها منذ مئات الأعوام، بل منذ فجر التاريخ، يجب أن تتغير معاني البطولة والمجد العسكري والشجاعة والإقدام.

يجب أن يفهم كل فرد أن ما كان في الماضي ممكنًا أصبح اليوم غير ممكن، وأن العاطفة الوطنية التي يستميت القوي في تأييدها ونصرها، يستميت في تأييدها ونصرها كلٌّ من الشعوب التي يسمونها صغيرة وضعيفة. يجب أن يفهم الجميع أن الشقاء العامَّ ليس ناجمًا عن الحروب نفسها، بل عن الغنائم الحربية التي يفاخر بها الظافرون ويحسبونها ثمن انتصارهم، وما هي في الحقيقة إلا أداة اضطرابهم وهلاكهم عاجلًا أو آجلًا، تلك هي سُنَّة الحياة.

يجب، يجب، يجب! ما هذا إلا كلام أطفال! أما كلام الرجال فهو الذي يرسله المستر ويلز الكاتب الإنجليزي في خطبة رنانة متنبِّئًا بقرب وقوع الحرب، وهو الذي يكتبه الجنرال لودندورف الألماني متنبِّئًا بأن الحرب العامة ستنشب في شهر مايو سنة ١٩٣٢. هذا في حين موسيو زودربلم الأسوجي يُسَرُّ بجائزة نوبل، مضاعِفًا جهوده النبيلة في سبيل الإخاء العام، في حين المستر كيلوج يتأثر من شرف نيله جائزة السِّلْم ويحاول الاهتداء إلى وسائل أخرى لنشر «ميثاقه» الكريم بين الدول التي لم توافق عليه بعدُ، يحاول ذلك وهو يُصدِر الأحكام في محكمة العدل الدولية العليا القائمة في مدينة لاهاي بجوار «قصر السلام».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.