علامة الأدب الرفيع سعة الجوانب وتعدد الموضوعات.

والمُشاهَد في عصرنا هذا أن الأدب الرفيع الذي يُحسب من الآداب العالمية قلَّما يوجد في أمة قليلة العدد قليلة القراء؛ لأن تعدد الموضوعات يحتاج إلى التخصص، ولا بدَّ لكل موضوع يتخصص فيه الأدباء، من جمهور قارئ يكفي لإقامته والوفاء بلوازم مؤلفيه وناشريه، ولا يتيسر ذلك في عصرنا هذا لأمة يقل عدد أبنائها ويقل عدد القراء منهم، وإن كان ذلك ميسورًا على وجه من الوجوه في الأدب القديم؛ لأن الأدب القديم قليل المطالب محدود الميدان، تتوافر له مطالب التأليف والنشر في بيئة محدودة كالبيئة اليونانية، وقد ظهر فيها التأليف المسرحي والشعر الغنائي ومباحث الأدب والفلسفة بين أبناء قطر واحد، قليل السكان غير متسع الأرجاء.

أما في العصر الحديث، فلا تتسع لغة من اللغات لمطالب الآداب العالمية إن لم يتعدد فيها المؤلفون، وتعدد معهم موضوعاتهم الخاصة وجماهيرهم التي تقوم بأعباء كل موضوع. وسوف تتسع اللغة العربية لكل ذلك بعد نيف وأربعين سنة؛ أي في سنة ألفين للميلاد.

إن الروسيين قبل سبعين سنة لم تكن لهم ثقافة أرفع من ثقافة الأمة العربية في هذا الجيل، ولكنهم كانوا يبلغون سبعين مليونًا أو يزيدون، تجمعهم لغة واحدة، ولا تنفصل بلادهم بحاجز من حواجز الحدود السياسية أو الجغرافية. فكان عدد القراء في تلك البلاد الشاسعة كافيًا لإقامة أدب من الآداب العالمية في فن القصة على الخصوص، وكان منهم شعراء غنائيون، وكتَّاب نقَّادون يضارعون نظراءهم في البلاد الغربية، وكان العدد الكبير عوضًا هنا عن ارتقاء التعليم وارتفاع طبقة الثقافة؛ إذ كان القراء بين سبعين مليونًا، جمهورًا كافيًا لتلبية مطالب التخصص في بعض الموضوعات، فأصبحت بذلك في مستوى الآداب العالمية التي تنشأ بين أمم تفوق الروسيين في التعليم وتطور الفنون.

والمنظور أن يصبح عدد أبناء العربية في سنة ألفين أكثر من ضعفَيْ عدد الروس قبل سبعين سنة.

سيبلغون مئة وخمسين مليونًا ينتشر بينهم التعليم، وتتصل بينهم روابط الثقافة، ويستمتعون بالحرية السياسية والحرية الفكرية التي قد تمتنع على بعضهم في هذه الأيام. وليس من المعقول أن يتسع ميدان الأدب لمثل هذا العدد، ولا توجد فيه موضوعات الأدب على تنوعها واتساع نطاقها، ولا توجد فيه — مع هذه الموضوعات — جماهير القراء طائفة على درجات من الفهم والذوق والرغبة في الاطلاع.

يتيسر يومئذ للمسرح أن يعرض الرواية التحليلية إلى جانب الروايات التي تدور على إثارة الشعور وإرضاء الغرائز أو تزجية الفراغ بالتسلية والمزاح الرخيص.

ويتيسر يومئذ للشاعر أن ينظم الشعر الذي يستريح إليه أصحاب المدارك العالية، والأشواق الروحية والخواطر النادرة، ولا يعزُّ عليه أن يجد قارءه إلى جانب قرَّاء الغزل الشائع واللفظ اللامع والسفساف الذي يروج كما تروج الأزياء في بعض المواسم.

ويتيسر للنقد أن يُبطِل ما شاء ويفضِّل عليه ما شاء؛ لأنه يجد المثل حاضرًا لكل باطل ينكره ولكل فضل يؤثره، ويجد الشواهد على هذا وذاك يقبلها من يسيغها ولا يعييه أن يزنها بموازينها.

وسوف يستقر أمر الشعر على قرار متفق عليه بعد نيف وأربعين سنة.

إن الشعر لم يُهمَل في أيامنا هذه كما يخطر لكثير من الناظرين إليه في صيغته الظاهرة دون جوهره الأصيل.

لم يُهمَل الشعر في أيامنا هذه، ولكنه شورك في رسالته، فاشتركت معه الصور المتحركة وبرامج الإذاعة والقصة العاطفية والمقالة الحساسة والنثر المقفَّى والخُطب التي تتصل بالشعور والوجدان، فلم يبقَ للشعر الذي كان يستأثر بقرائه جميعًا غير فئة قليلة من أولئك القراء، فإذا تخصص الشعر بموضوعه الذي لا يُشارَك فيه، فمن الراجح جدًّا أن يتخصص كذلك بقرائه الذين يريدونه خالصًا بغير شريك من الفنون الشبيهة به أو المضافة إليه.

وسيعرف القراء يومئذ ما يطلبونه من الشعر الموزون المقفى وما يطلبونه من النثر الذي يحاكي الشعر بالإيقاع أو الترديد، فمن طلب هذا النثر المحسوب على الشعر طلبه باسمه ولم يعطِهِ قيمة غير قيمته، وقد يطلبه ويطلب الشعر معًا فلا يستغني بهذا عن ذلك، ولا يرى موجبًا للجدل العقيم في مسألة القواعد والأعاريض.

ومن المشكلات التي يرجى أن تحلها السنون الأربعون، مشكلة الفصحى والعامية، وأيهما يبقى وأيهما يزول.

وأول مشكلة تحلها السنون الأربعون أنها تضع المسألة في موضعها الصحيح، فلا يطول الجدل فيما يبقى وفيما يزول.

ستبقى هذه وتلك وتُستخدم كلتاهما فيما هي أصلح له وأقدر عليه.

تُستخدم الفصحى في الموضوعات العامة الباقية التي يشترك فيها قراء العربية اليوم وغدًا، ويفهمونها على تباعد الأمكنة واختلاف الأساليب ولهجات الإقليم، وستظهر الضرورة الموجبة لبقاء الفصحى كلما نظر الملايين المائة والخمسون إلى لهجاتهم الإقليمية، فعلموا أنها تفرقهم لا تجمعهم، وأنها لا تكتب لهم شيئًا جديرًا بالتعميم والبقاء على الزمن؛ فينزلون بها في منازلها ويجعلونها كما جعلها الواقع موقوتة «محلية» تنتهي عند حدودها ولا تتخطاها إلى ما وراءها، ولا هي تستطيع إذا أرادت أن تتخطاها.

ومما يؤكد بقاء الفصحى لمقاصدها التي خُلقت لها، أن أطوار الزمن تختلف منذ الآن، فلا تشبه أطواره الماضية في التفريق أو في التوفيق بين اللهجات.

فقد كانت عوامل التفريق بين اللهجات فيما مضى أقوى وأظهر من عوامل التوفيق، ولكننا اليوم نسمع الإذاعة ونطالع الصحف ونقرأ الكتب ونتعود فيما نسمع ونقرأ لغة واحدة تتردد على آذاننا، وأمام أعيننا صباح مساء. ولا تزال هذه اللغة الواحدة قائمة متقدمة تثبت ولا تتزعزع وتقوى ولا تضعف، مخيبة لآمال من يتربصون بها الزوال.

فإذا انقضت السنون الأربعون على ما نرجوه، فسوف تقضي قضاءها في مسألة الفصحى والعامية، وسوف تقضي قضاءها في مسائل شتى مما يشغلنا الآن، ونتعجل الزمن فلا ندري كيف تتصرف الأيام. ومن تلك المسائل مسألة الشعر الموزون والشعر المنثور، ومسألة المسرح الخاص والمسرح العام، ومسألة الإقليمية والعالمية، وهي تنطوي على جملة مسائل الفنون.

  • درجة أعلى
  • قيمة أغلى

أنواع متعددة، وعدد موفور، وتجتمع أشتات ذلك في كلمتين: «أدب عالمي» يضارع أكمل الآداب العالمية في زمانها.

وذلك ما يرجى للأدب العربي بعد نيف وأربعين سنة، بتوفيق الله واجتهاد الأدباء والمتأدبين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ahmed Siliman ·١٦ فبراير ٢٠١٦، ٢٢:٥٤ م

    احمد سليمان