أما مجلس النواب، فقد أقرَّ أمسِ خطةَ الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك — إن كانت لنا عقول تفهم — أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك، فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئًا.

ولا تقل للنواب: إن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا: إن من حق مصر أن تُلْغِي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفًا على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق.

لا تقل هذا للنواب؛ فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائبًا أكثر من النواب، ولا حريصًا على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب؛ فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.

ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم فلا ينبغي ولا سبيل إليه؛ لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور. وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضا، واطمأنَّ حتى سَئِمَ الاطمئنان، وزهد في الاجتماع، وآية ذلك أن كثرته تخلَّفت عن جلسة أمس، ولم تُقْبِل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار؛ فتفرَّقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع؛ لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.

والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلَّف عنه الكثرة التي تخلَّفت أمس! فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شَبِعَ منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحبُّ الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئنٌّ إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يُخشَى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولَمَا تردَّدَ في الاجتماع كلَّ يوم، آناء الليل وأطراف النهار؛ ليرعى الحقوق، ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.

النواب إذن راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون، وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوروبا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبيَّن للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نُسِّقت تنسيقًا جميلًا. وما لهم لا يرضون وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم، وكان وزير الحقانية يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويُبِيح للنواب أن يتعرضوا من شئون مصر لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يُشْفِقون أن يكون الوزراء جميعًا متضامنين مع وزير الحقانية في هذا الرأي؛ فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأيًا غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك؛ لأنه أمر دولي يمسُّ السلطة التنفيذية وحدها؟!

والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية رأى أنه كان مخطئًا؛ فعدل عن الخطأ وثاب إلى الصواب، وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب؛ فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا، وقد فعلوا، أعلنوا رضاهم في مصر؛ فنشرت صحفهم كلامًا كثيرًا فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه، وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوروبا؛ فرضيت الطان واغتبطت، وأثنت الطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.

كل شيء حسن إذن: النواب راضون، والشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون، أليس الوزراء سيتناولون الغداء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم؟! أليس هذا آية على الرضا والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسنًا، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.

ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضيًا ولا مبتهجًا، وليس آمنًا ولا مطمئنًّا، ولكنه ساخط كلَّ السُّخْط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كلَّ الخوف، قلق أشدَّ القلق، وقد يكون هذا حقًّا. ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسَخِط؛ وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماءً من النيل، فليشرب من هذا أو ذاك؛ فقد يجد في هذا أو ذاك ما يُخَفِّف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان!

لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.