قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أُملي هذا الفصل، فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرَّف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.

وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجَّل استقالته يومًا أو يومين أو أيامًا؛ ليرى نتيجة الوساطة التي يقال: إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضارًا مؤلمًا ممضًّا لعهد مؤلم ممض، وسنشهد نهاية كلها حزن وأسًى لعهد كان كله حزنًا وأسًى.

عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه، الذي لا حد له إلا رضا الإنجليز أو غضب الإنجليز.

عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليَّ وفي الحروب نعامة.» فكان رجاله أسودًا يحسنون الزئير، ويحسنون الافتراس، ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم، وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.

عهد أقل ما يوصف به أنه لم يُشرِّف مصر في لحظة من لحظاته، وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يُشرِّف رجاله المسئولين في لحظة من لحظاته! ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء والاستكانة للأقوياء تُشرِّف رجلًا، أو تَرفع من شأنه، أو تُنزله بين كرام الناس؟!

عهد بُدئ بالإثم وهو يُختم بالإثم، بُدئ بالوثوب على الحكم في غير رضًا من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقًا وإرهاقًا، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافًا، وعلى منافع الأبرياء عبثًا ولعبًا، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعًا كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث ففتك بالأخلاق فتكًا، وأفسد الضمائر إفسادًا، وقطع الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يُوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخسٍ، ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم، وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقًّا عليه، وبأن لوطنه حقًّا على نفسه؛ هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيِّ إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي تردُّ الإنسان إلى أخسِّ مراتب الحيوان.

على هذا النحو بدئ هذا العهد، وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء، وأزهقت نفوس، واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يُحتَمَل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يُلقى في هذا العصر الذي يقال: إنه عصر الحرية والأمن، وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.

نعم على هذا النحو المنكر بدئ هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين شقاء ثقيلًا مظلمًا مطبقًا أكثر من أربعة أعوام. وها هي هذه ملايين المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يُؤسَّس على التقوى، ولم يَقُم على حب الشعب، ولم يُشيَّد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شرًّا وسوءًا، وأن تستبشر بانهيار بناء أُسِّس على الظلم والجَور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة؛ لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدئ بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شرًّا ونكرًا، بدئ بالاعتداء على حقوق الشعب، والاستهانة بسلطان الشعب، والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي، والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.

يقول الإنجليز لرئيس الوزراء: أخْرِجْ زميلين من زملائك، وحلْ بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر ترددًا لا يخدع أحدًا، ويتكلف مقاومة لا تخدع أحدًا، حتى إذا جدَّ الجدُّ، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون؛ أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه، وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك؛ لعل جلالته أن يقبلها، وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه، أتعرف مأساة شرًّا من هذه المأساة؟ أتعرف بلدًا يقول: إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي، الدستوري، وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلدًا يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان؛ فيرد إليه ما حرمه من الرضا، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سَمِّ هذا بما شئت من الأسماء، وصفْ هذا بما أحببت من الصفات، وقُلْ في هذا ما استطعت أن تقول، ولكنك مُكرَهٌ مع الأسف الشديد، والألم الممض، والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة، ونزول عن الاستقلال.

ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم، وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر؛ فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدمًا، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.

أفتُراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك، أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة على شكل الاستقلال؟

سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري؟ لعل هذا الرجل يُنكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي. وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمرًا مقضيًّا لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن، وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته، وفوق إرادة الشعب.

خروجه من الحكم أمر مقضي؛ فليهنأ المصريون، فلسنا نعرف أن أحدًا منهم يسره أن يتصل الفساد، ويستمر الاضطراب، ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه: إن على رأس الوزارة المصرية رجلًا لا يتردد في أن يُخرِج زميليه من الحكم؛ لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطرارًا.

نعم، لقد بدئ هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية، وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية، والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءًا كله، سوءًا حين يبتدئ، وسوءًا حين يتصل، وسوءًا حين ينتهي، ولكن الله عز وجل يريد أن يُمحِّص المصريين بهذه المحنة، وأن يُظهرهم رجالًا كرامًا كما تعودوا أن يكونوا رجالًا كرامًا، وأن يُقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا، ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظامًا مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب، ومهما تحرج الظروف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.