تلقيت بالبريد الخطاب التالي:

سيدتي المحترمة

أهنئكِ بالعام الجديد، وأسأل الله أنْ يعيده عليكِ بالصحة والهناء، وأنتهز هذه الفرصة لأقدِّم إليكِ هدية العيد، على أنْ لا تستأثري بها لنفسكِ، بل تعملي على توزيعها تحت إشرافكِ على بنات جنسنا، ولهذه الهدية قصة ترجع إلى سنة ١٩٢٦، حينما رفعت إحدى السيدات دعوة على مطلِّقها تطالبه فيها بالتعويض، إلا أنَّ محكمة الاستئناف ألغت هذا الحكم، وأرى أنها لم تفعل ذلك إلا وهي متأثرة بالرأي العام الذي اعتاد أن يرى الزوج سيد الأسرة، وأن يبيح له الزواج والطلاق بمحض رغبته، ولكن الرأي العام يتطور مع الحالة الاجتماعية؛ لذا لم يمنع حكم محكمة الاستئناف سيدة أخرى من أنْ ترفع أمرها للقضاء مطالِبة مطلِّقها بالتعويض، وقد أخذت المحكمة بوجهة نظرها في الحكم المرفق وهو موضوع الهدية، وسيُطرَح هذا النوع على المحكمة الاستئنافية للبَتِّ فيه، وسيكون حكمها مقياسًا لمبلغ تطوُّر الحالة الاجتماعية من سنة ١٩٢٦ للآن، ولاستعداد الرأي العام للاعتراف بحقوق المرأة كما قرَّرَتْها الشريعة الإسلامية.

وقد رأيت اعترافًا بفضلكِ وتقديرًا لمجهودكِ في تطوُّر الحالة الاجتماعية أنْ أخصَّكِ بهذه الهدية، راجيةً منكِ أنْ تعملي على إذاعتها؛ حتى يقف بنات جنسنا على ما لهن من الحقوق، وتفضَّلِي بقبول فائق تحياتي وعظيم احترامي.

نشرت الخطاب بنصه ولم أحذف منه إلا اسم صاحبته؛ لأن السيدة المحترمة التي أتحفتني «بهدية العام الجديد» لم تفصح عن إرادتها في إعلان اسمها، ولكن خطابها نفسه وما تضمَّنه من اليقظة النفسية وحصافة الرأي ينمُّ عن ثقافتها ومكانتها الاجتماعية.

أما «الهدية» التي تلحُّ السيدة في أن «لا أستأثر بها لنفسي، بل عليَّ أن أعمل على توزيعها تحت إشرافي على بنات جنسنا»، فهي صورة الحكم على القضية المذكورة في الخطاب، ولِتوفِّرَ عليَّ حضرتها الجهد والعناء تفضَّلت فلخَّصت الحكم بيدها في خمسة بنود هي لباب ما يهمنا في هذا الموضوع، وها هي بالحرف الواحد أيضًا:

المبادئ التي قرَّرها الحُكْم

(١) ليس الطلاق حقًّا مطلقًا للزوج، وإنما هو على الرأي الراجح عند القضاء محظورٌ، ليس للزوج أن يستعمله إلا إذا تحقَّقت الحاجة إليه.
(٢) للزوجة أن تطالب زوجها بالتعويض إذا أساء استعمال هذه الحق.
(٣) لا تعارُضَ بين استحقاق التعويض وبين مؤخَّر الصداق.
(٤) ليس للمحكمة أن تمتنع عن التصديق على التعويض المقدَّر، إلا إذا تبيَّنَ لها أنه تهديديٌّ، بمعنى أن يكون جائرًا وغير معقول، وغير متناسب بالمرة مع الضرر الذي حصل فعلًا.
(٥) للزوجة طِبقًا للشريعة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها، وأن يُطلِّق ضَرَّتها، ولها الخيار في فسخ الزواج إذا فات الشرط.

وأظن أنَّ نشر هذا الخطاب والمبادئ التي قررها الحُكْم، يفي بالمرام من تحقيق رغبة السيدة الفاضلة في تمكين كل قارئة تطَّلع عليها من «الوقوف على ما لها من حقوق».

كل هذا الحكم حسن ومنصف، وحسن وصحيح كذلك ما ترتئيه حضرتها من أن أحكام المحاكم مقياس لتطوُّر الحالة الاجتماعية، ولكن لديَّ تعليقًا إنْ يَبْدُ في الظاهر متصلًا بالموضوع مباشرة، ففيه بلا ريب تتلخص طائفة كبيرة من أسباب هذه الحادثة ونتائجها، بل فيه تتجمع الوسائل المؤدية إلى ما نعنيه «بالتطور الاجتماعي» من تحسين المعيشة، ورفع الشقاء عن الأفراد، وسعادة الحياة العائلية، وإفهام الجميع كيف ينتفعون بخدمات الآخرين في حين هم يقومون بكل ما عليهم من الخدمة.

أَكُلُّ ما نراه من سوء تصرُّف الرجل في استعمال ما يزعم أنه حقه في الطلاق، وفي امتهان كرامة العائلة وسحق حياة المرأة تحت قدميه — ناجمٌ عن الرجل نفسه؟

إن المرأة هي العامل الأول والأخير في تكوين الرجل وتربيته وتنشئته كذلك، هي العامل المُطلَق السلطان في تكوين الفرد والعائلة والأمة، وكل ما لا يُرضَى الآن من الرجل ناجمٌ عن عجز والدته عن إعداده لحياة الزوج والأب وسيد الأسرة الذي يقدِّر كرامة الأسرة وكرامة المرأة، وكيف يستطيع أن يدرك أهمية هذه الواجبات مَن لم يتلقَّنها عن والدته؟ والرجل سيد الأسرة ولا ريب، ولا تريد له المرأة في رُقِيِّها إلا السيادة، ولكن السيادة لا تعني تمزيق حياة المرأة وتشتيت شمل العائلة، بل المفروض عليها هو ما يناقض هذا على الإطلاق.

أهذا الرجل ظالم أهوج متهور؟ أذاك الرجل سيء التربية لا يحترم نفسه ولا يحترم الآخرين؟ أتلك المرأة يدل سلوكها على اختلال في توازن المدارك والأعمال؟ أهاتيك لا تحسب للأمور حسابًا، ولا تدرك ما يجب أن يقال وما يجب ألا يقال، وبالتبع ما يجب أن يؤخذ به وما يجب أن يُهمَل؟ المرجع واحد لا غير، المرجع هو الأم، وحكمتها أو هوسها، تربيتها الصالحة أو السيئة، سلوكها في بيتها، تدبيرها، مثلها، نُطْقها، تربيتها، ومجموع تلك الأساليب والأعمال والتصرفات والمعاملات التي يُطلَق عليها اسم «التهذيب» الواسع الجامع.

حقٌّ أنْ يُنصَف المظلوم رجلًا كان أم امرأة، وحسن أن ينصف القضاء العادل فيُصدِر الأحكام التي تشرِّفه بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، وبالعمل على ردع المستهينين بكرامة المرأة عن غيِّهم، ولكن ما هذه إلا مسكِّنات فردية وقتية، وإذا أُرِيدَ الإصلاح العام الفعَّال الشامل المتتابع، فَلْيبدأ بتربية المرأة، أقول «تربيتها» ولا أقول «تثقيفها»؛ لأن التربية أصل والثقافة فرع، وإنما التربية للمرأة التي ستكون في الغد أُمًّا بمثابة تربية الرجل الذي سيكون ابنها.

ومصر في حالتها الراهنة تحتاج بلا شك إلى ثقافة المرأة، ولكنها تحتاج أولًا وتحتاج خصوصًا احتياجًا وجيعًا صميمًا إلى أمهات يُدرِكْنَ كل ما في الأمومة من كرامة، وكل ما عليها من الواجبات. حسن جدًّا، يا صاحبة الخطاب الفاضلة، أن تعرف كل من بنات جنسنا ما لها من حقوق، ولكن ما لا بد منه هو معرفة الواجب والقيام به على الطريقة المفروضة، والحياة واجب أكثر مما هي حق، وكل قيام بالواجب يستتبعه حتمًا التمتع بالحق، إنْ لم يكن للشخص أو الجيل نفسه فلما يليه من الأفراد والأجيال، ولئن استوجب الحاضر اليأس في كثير من الأحوال، فكل الرجاء في المستقبل.

لإصلاح الرجل يجب تربية المرأة، ولإصلاح المرأة يجب تربية المرأة، وليس من وسيلة أخرى لإنهاض الأمة بأسرها غيرُ تربية المرأة كما يجب أن تكون في البيت والأسرة والوطن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.