وخطابي سؤال عن موضوع عملية غسيل المخ منذ سمعنا عن عمليات غسيل المخ التي قِيلَ إنها أُجْرِيَتْ لبعض من اشتركوا في إفشاء أسرار القنبلة الذرية والحرب العالمية. فما هي هذه العملية؟ وما هي أغراضها؟ هل هي بمثابة بذر بذور مُثُل عليا جديدة وقيم إنسانية لهؤلاء الأفراد لا تمت بصلة إلى ماضيهم؟ … أو هي تفريغ للنفوس عما حَوَتْ من مبادئ وقِيَم وآمال وآلام لتخرج منها كما يخرج الطفل من بطن أمه على ما يُقال؟

وختامًا أحب أن نتلقى إجابة عن ذلك على صفحات جريدتنا المفضلة الأخبار …

مدحت عبد الحميد، تجارة القاهرة

غسيل المخ هو اصطلاح حديث لعملية قديمة من أقدم ما عُرِفَ في تاريخ الوعظ الديني والاجتماعي، وقوامه — كما هو معلوم — على دعامتين متلازمتين؛ وهما: الوعد والوعيد، أو الترغيب والترهيب.

والغرض منه هو تحطيم المقاومة في العقل الذي يُراد غسله وتحويله من المقاومة إلى الاستسلام التام، شيئًا فشيئًا أو دفعة واحدة إذا كان التحول الفجائي من المستطاع.

ووسيلته في كل حال، هي تسليط العوامل النفسية بين إثارة الخوف وإثارة الأمل في ضمير الشخص المقصود، وإلقائه على التوالي في حالة من الاضطراب تُسْلِمُه إلى الحيرة التي لا مخرج له منها بغير التسليم.

وقديمًا كانت هذه هي وسيلة الوعاظ الدينيين من عهد العقائد البدائية إلى أحدث العهود، مع اختلاف الأساليب كلما ارتفعت العقائد من السذاجة إلى التهذيب.

فمُنْذُ مئات السنين عُرِفَتْ وسائل التخويف بالعذاب السرمدي والغضب الإلهي والنذر المرهوبة، كما عُرِفَتْ وسائل التشويق إلى النعيم المقيم والسعادة الأبدية والرضوان العميم.

ولا يزال الكهان في العقائد البدائية إلى اليوم يتوسلون بإرهاق المتعبدين وإنهاك أجسادهم بالرقص العنيف والهياج المتلهب لقيادتهم إلى حالة من الإعياء الشديد يمهدون بها لحالة الاستسلام والتصديق أو حالة الإصغاء والإيمان بكل ما يُلْقَى على أسماعهم من الوصايا والأوامر والدعوات.

فهذه العملية — عملية غسيل المخ — قديمة جدًّا في تاريخ الوعظ ونقل الأفكار وسَوْق الموعوظين إلى التسليم والطاعة العمياء.

والجديد فيها هو الاستفادة من المعارف الحديثة والتجارب المتكررة لتنظيم أساليب الإقناع على القواعد العلمية والدراسات السيكولوجية المحققة. وكان الأقدمون يستخدمون بعض العقاقير للتخدير أحيانًا وللتهييج والإثارة أحيانًا أخرى، فاستفاد المحدثون من تحليل هذه العقاقير وعرفوا منها ما لم يكن معروفًا في العصور القديمة، وأضافوا إليها الاستعانة بالجراحة المتقدمة لإجراء العمليات في أجزاء من الدماغ لها علاقة بالأعصاب التي تتلقى المؤثرات وتنقلها إلى الدماغ وتُحرِّك فيها دوافع العمل والسكون أو تميل بها إلى وجهة الرضا والمطاوعة أو وجهة المقاومة والنفور.

ومما يساعد القائمين بعمليات غسيل المخ في العصر الحديث شيوع الدعوات العامة التي تتلاقى وسائلها بوسائل القائمين بتلك العمليات، وقد يساعدهم كذلك أن شيوع بعض الدعوات يزعزع بعض الدعوات الأخرى، فلا يحتاج القائم بالعلمية إلى جهد كبير إلى التشكيك في العقائد، وإضعاف الثقة بها، وتهيئة النفس للحيرة التي تَقُودها إلى الاستسلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    RAHMA ·١٥ يوليو ٢٠١٤، ٠:٤٨ ص

    موضوع مفيد لطالما اردت معلومات كهذه عن غسيل المخ