تجتمع الحكمة في الكلمات المتفرقة والشوارد المبعثرة؛ لأن آفاق الحياة واسعة شاسعة لا تنحصر في سياق واحد، ومن أحاط بها وجب عليه أن يجمع شتاتًا من المعرفة قد يبلغ به التفرق والتباعد أن يكون من النقائض والمفارقات.

وليس باليسير على كل مؤلِّف أن يجمع الشوارد من مظانِّها، وأن يعرف ما هي الحكمة التي تستحق أن تُجمَع، وكيف يكون جمعها والتقريب بين أطرافها، ولكنه إذا اختار منها نخبة صالحة، ولو مخلوطة بأخرى غير صالحة، فلا ضير من نقص التنسيق. ولعله لا ضير من الخلط بين الصالح وغير الصالح؛ لأن الخلط سبيل المقارنة والشعور بالتفاوت، وهما لازمان لحسن التقدير.

وقارئ المتفرقات والمفارقات كاسب كيفما كانت طريقته في القراءة، فإذا اختار أن يتابع أقوال الحكماء المتعددين في كل موضوع، فكسبه هنا أن يدرك مذاهب الأفكار وتباعد وجهات النظر في الموضوع الواحد، وإذا اختار أن يسترسل مع الموضوعات حيث تشعبت وتنوعت، فكسبه هنا أن يجري مع آماد الفكر والشعور إلى نهايتها، وأن يوسع عالمه توسعة تضاعف الحس وتضاعف الفهم وتضاعف الحياة.

وإني لتروقني من هذه المجاميع ألوان متعددة لا يؤلِّفها المؤلفون على نسق واحد، فمنها ما يجمعونه للكاتب أو الشاعر من مصنفاته الكثيرة، ومنها ما يجمعونه للكتَّاب والشعراء في مسألة واحدة، ومنها ما يجري فيه تقسيم المسائل والأقلام وفقًا لمذهب معروف من مذاهب الفلسفة والأخلاق، وكلها باقات زهر وريحان تجتذب الأنظار على جميع الأشكال والألوان، وكثيرًا ما تواجهني زهرة واحدة منها تصرفني عن سائرها عامة يومها، ولا تصرفني كذلك لأن غيرها لا يستحقُّ النظر والعجب، ولكنها تغنيني بما عندها كما يستغني الشبعان عن طعام الأرض كله، وإن كان فيه ما هو أفضل من غذائه وأطيب من المذاق.

وهكذا صنعت اليوم حين فتحت الصفحة في إحدى هذه المجاميع الحسان على باب النجاح والإخفاق.

قرأت في ذيل الصفحة كلمة «ترولوب» التي يقول فيها على لسان بطل من أبطاله:

إن النجاح هو سوء الحظ الذي لا بد منه في حياتنا، وإنما يصل مبكرًا إلى من يبلغ به الحظ غاية السوء.

وقع نظري على هذه الكلمة في أسفل الصفحة كأنها تستدعيني إليها بنظام غير نظام الترتيب والتبويب والتقديم والتأخير.

إنما يصل النجاح مبكرًا إلى من ساء حظه غاية السوء، فهل صدق الكاتب؟ وهل يصدق على نجاحه هو ما أراد أن يصدق على كل نجاح؟

ترولوب هذا هو الكاتب الذي قيل إن «مونتجمري» كان يقرؤه في ميادين القتال بين الهزيمة والنصر وبين التحفز والوثوب، ويصح أن يقال فيه إن النجاح لم يصل إليه مبكرًا، وإنه هو لم يصل إلى النجاح كل النجاح، ولم يبلغ بعدُ حقَّه من الثناء والعرفان.

ولكن هل يصدق من أجل هذا إذ قال: «إن النجاح سوء حظ.» أو هو كلام من قبيل حموضة العنب إذا عَزَّ الوصول إليه بعد وثبات؟

إن الكلمة عجيبة، وإنها لمن نوع حكمته في رواياته، ولكنه لو أسقط منها كل معنى لقال حينئذٍ: «إن النجاح حظ حسن سعيد.» وهو كلام غير صحيح وغير عجيب.

الحق أن ترولوب قال شيئًا جديرًا بأن يقال حين زعم أن النجاح هو سوء الحظ الذي لا بدَّ منه في حياتنا، وأنه إنما يصل مبكرًا إلى من ساء حظه غاية السوء.

نعم إنه سوء حظ على الخصوص؛ لأننا نطلبه ونتابع طلبه ولا نهرب منه كما نهرب من سوء الحظ المشهور غير المطلوب.

وقد ابتُلِيَ به أناس أشد من بليتهم بالإخفاق، فليس صرعى النجاح في الدنيا أقل من صرعى الخيبة والضياع.

وبعض البيان قد يؤدي في توضيح هذه الكلمة إلى بعض الإقناع؛ فإن نتيجة النجاح المبكر على الخصوص قد تظهر بغير إمعان في الإحصاء والاستقصاء.

ينجح المرء لأول وهلة فيخطئ فهم الدنيا، ويصعب عليه أن يصحح خطأه بعد ذلك؛ لأنه يحسب الدنيا محلًّا مهيأً لنجاح المستحقين بغير كلفة وبغير محاولة، ويرضيه أن يغتر بنفسه فيمضي مع الغرور ويطلب المزيد من النجاح، ولا يكلف نفسه المزيد من الهمة والاجتهاد، فإذا تحقق له طلبه ازداد جهلًا بالدنيا وبنفسه، وازداد خطأً في تقدير حقائق الأعمال وحقائق الجزاء، وإذا خاب في المرة الثانية لقي من الأيام غير ما تعوَّد، ولم يعرف كيف يرجع بالخيبة إلى أسبابها ولا بالنجاح إلى أسبابه؛ فهو مضلَّل في حالتيه.

وأكبر مصائب النجاح المبكر أنه يكفُّ المرءَ عن مضاعفة الجهد واستنباط مكامن القوة في نفسه، فلا يستخرج من ودائع طبعه غاية ما احتواه، ولا ينتهي باستعداده إلى غاية مداه، وتظل قواه غريبة عنه، ويظل هو غريبًا عن قواه.

ومن مصائب النجاح المبكر أنه قلب لميدان الحياة، وابتداء بقصب السبق، واختتام بالسوط والمهماز والمنخاس. بل لعله شر من ذلك إذا جرى المثل على المعهود من لذة الرِّيِّ والشبع؛ فإن الذي يجد الماء ولم يظمأ يعيش وهو لا يدري لذة الري، كما يدريها من عبر الصحراء في حارة القيظ بغير سقاء، ثم مضى يخبط بين الصخور والرمال طلبًا للعين المزوية والينبوع المجهول، وإن شربة واحدة على ظمأ لأطيبُ من شراب العمر تجده على متناول اليد، قبل أن تشتاق إليه.

وليس من الضروري أن يكون النجاح المبكر على الخصوص سوء حظ بالغًا؛ لأنه نجاح بغير استحقاق. فإنه قد يكون نجاحًا مستحَقًّا جديرًا بصاحبه، ويكون مع هذا وخيمَ العاقبة على الناجحين؛ لأنه يضلِّلُهم عن وقائع الدنيا وطبائع الناس وموازين الأمور، فلا يزالون بعد ذلك يشيلون بالكفة أو يهبطون كأنهم لا يعرفون الميزان، ولو أنهم بولغ عليهم في صعوبة النجاح لكان ذلك أجدى عليهم من المبالغة في التهوين والتيسير؛ لأن النجاح الغالي بطبيعة الحال أنفس في حساب الخبرة النفسية والخبرة الإنسانية عامة من النجاح الرخيص، وتصحيح الوهم في سهولة الدنيا أصدق من تصحيح الوهم في صعوباتها ومتاعبها. وغاية ما يستدرك في هذه الحال أن يروض المرءُ نفسه على الصعوبات والمتاعب، وإنها لرياضة قوة وصحة، ومادة فكر وأخلاق.

ويخيل إليَّ أن في كلمة النجاح، وفي معناه كذلك، شيئًا تميل عنه الطباع ولا يستريح إليه السماع؛ سماع الآذان وسماع الوجدان.

إنك لا يخطر لك أن تقول عن نبي إنه نبي ناجح، أو عن حكيم إنه حكيم ناجح، أو عن محسن إنه محسن ناجح، كما تقول عن الصيرفي والمغامر والسمسار.

ومما يستوقف الباحث أن الكلمة ليست من الكلمات القرآنية ولا من الكلمات المتواترة في شئون القداسة والمطالب الروحية. ويذكر الكتاب الكريم الفلاح والمفلحين ولا يذكر النجاح والناجحين، وأول ما يسبق إلى البداهة من خصائص الكلمات أن نجاح الإنسان لنفسه، وأن فلاحه للآخرين، وأن النجاح أثره والفلاح خير إحسان.

وقد أفلح المؤمنون، وقد أفلح من تزكَّى، ولعلكم تفلحون.

أما غير الفلاح فللظالمين والمجرمين والساحرين والكافرين، وإنه لا يفلح الظالمون، وإنه لا يفلح المجرمون، ولا يفلح الساحرون، ولا الكافرون.

أَوَلَا ينجح الكافر؟ أَوَلَا ينجح الساحر؟ أَوَلَا ينجح الظالم؟ بلى ينجحون. وقد يكون النجاح من الظلم أو من السحر أو من الكفر المبين، ولكنهم جميعًا لا يُفلِحون.

وتلك من دقائق الفروق بين الكلمات فيما يُحسَب من المترادفات. فاللهم اجعلنا من المفلحين ولا تقدر لنا نجاحًا إن لم يكن النجاح من الفلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.