زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه واستغاثتها به، حتى قال لبيكِ لبيكِ، ونهض من فوره فغزا بلاد الروم وأمعن في غزوها، ودمَّر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

السيف أصدق أنباءً من الكتبِ

في حده الحد بين الجِدِّ واللعبِ

وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم أو يقال إنها تريد أن تقبل، وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كلَّ الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

الله يشهد ما نريد شرًّا ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا ولا نُغرِي به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دُورِنا، مطمئنِّينَ في بلادنا، لا نعتدي على أحد ولا يعتدي علينا أحد، نريد ألا نكون أذلة في بلادنا والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا والأجنبي فيها غنيٌّ موفور.

نريد أن نأمَنَ على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا، وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض. نحن لا نُكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا فاشتدت في البطش، ولنكَّلت به حكومتنا فألحَّت في التنكيل — أستغفر الله — بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك أو هموا أن يفعلوه لعجَّ الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجُّوا، ولتقدَّمت حكومتنا إلى رجال الدين في أن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير، نحن إذن لا نُكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام، فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا راضيًا راغبًا فيه لا مكرهًا عليه إكراهًا ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحُّون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له، فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم ويدخلوا في دين لا يحبونه ولا يريدون الدخول فيه.

هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم باللين حينًا وبالشدة حينًا، بالحيلة مرةً وبالقهر مرةً أخرى، هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك لا في مدينة واحدة بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد بل في أوقات مختلفة، وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين فلا يحفلون بها ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان، وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام لردوا عن ذلك ردًّا عنيفًا، وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر نفسها إلى الإسلام لردوا عن ذلك ردًّا شديدًا.

أَفَيُرِيد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًّا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقرَّ هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يُقدِّر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المَخُوف وكما نسمع للخصم المريب؟ إن كانوا يريدون ذلك ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم؛ وهو الدين.

ووزارتنا القائمة ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟ بلى لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين، وخيِّل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر والبرلمان والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها ستردُّ الأمر إلى نِصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين ويصرفوا عنه إلى الكفر به والخروج عليه. ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًّا من تهدئة الخواطر وإسكات الناس …!

فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا، وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها وتلحُّ في إذاعتها، وتستنهض الحكومة وتلح في استنهاضها، وتنبِّه الشيخ الأكبر وتلحُّ في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!

وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلَّطُوا عليها العذاب، ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!

يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقِب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس ويعرضون الأمن للخطر، وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم وأتوا هذا المنكر في وضح النهار تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعزَّ فيه الإسلام ولا يذل، ويجب أن لا تكون حرية أهله عرضة لعبث الأجنبي وعدوانه. والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني؛ فقد كثرت الوعود واتصلت الأماني، ولم يكفَّ المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم، يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن يُنْفَى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة؛ فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يُبِيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين، ولكن الحكومة فيما يظهر لا تريد أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

وقد أحسَّ المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضَّل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك والعناية به، فلعل أمر جلالته السامي إن صدر إلى الحكومة أن يمدَّها بروح من قوة، وأن يشدَّ عزمها ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق والكرامة والحرية والدين.

أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه، أيهما ألزم له وأوجب عليه؛ أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين فسافر في الدرجة الثانية وأخذ أجر السفر في الدرجة الأولى؟ أيهما ألزم له وأوجب عليه؛ أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟ أيهما ألزم له وأوجب عليه؛ أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة ويصرفهم عن الطربوش؟ أيهما ألزم له وأوجب عليه؛ أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين يكذبون عليهم ويذيعون عنهم الكفر ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها إثم ومعصية؟!

ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا. ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين وهم حرب عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.