مأساة الهند ومأساة غاندي

تتبَّعنا في هذا العام تطوُّر مأساة الهند عن بُعْدٍ، واليوم نشعر مع غاندي بالمأساة الروحية التي تفطر قلبه رغمًا عن حكمته الواسعة وخُلُقِه العالي.

مأساة وأيَّة مأساة في إهدائه الزهرة السوداء، وفي محاولة اغتياله، وفي المعارضة الصاخبة في وجهه إلى جانب كل ما يلقاه من التأييد، ومع كونه سيبقى في التاريخ زعيم الهند الأكبر، الذي أدخل في تاريخ النضال السياسي العالمي طريقةَ العصيان المدني السلمي. ولم يكن العصيان المدني سلميًّا إلا في حيز النظريات، أما في حيز الواقع فهو دموي مفجع، وغاندي رغم وصيته بعدم استعمال الشدة والقتل، كان يعلم أن إرشاداته لن تُتَّبَع، بدليل أنه في الخطاب المؤثر الذي وجَّهه في العام الماضي إلى «صديقه العزيز» نائب الملك في الهند، قال إنه «يجثو على ركبتيه» متوسلًا أن يعمل نائب الملك كل ما في وسعه أن يعمله لمنع إعلان الدعوة إلى العصيان الرسمي.

قال ذلك لأن غاندي «النبي الوديع» كان يعلم أن عقلية الجماهير العجاجة لا تستطيع أن تسبك في قالب عقليته، وأن دعوته الوطنية إن هي أخذ بها الجميع — أو الأكثرية — من بعض نواحيها، فلا بد أن تظهر أفراد وجماعات تنظر إليها نظرة أخرى من سائر النواحي. كان يعلم أن غرائز الشعوب إذا استُثِيرت وأُطلِقت، فهي أشبه ما تكون بجوامح الطبيعة من زلازل وفيضانات وعواصف وصواعق وأوبئة، وكان يعلم أن الأمم بحذافيرها لا تتجمع في قبضة واحدة، كائنة ما كانت طهارة تلك القبضة ونبلها وإخلاصها، وأن شأن الشعوب منها شأن الماء يتسرب من بين الأصابع في حين يحسب المرء أنه وديعة في يده.

كل ذلك كان يعرفه ببصيرته النافذة، وبروحه الكبيرة، وشخصيته الفريدة، وبعلمه الواسع، ويعرفه كذلك بعقيدته الدينية الفلسفية التي اقتبس عنها فكرة «المقاومة العذبة» و«العصيان السلمي»، وهي بند أساسي في بنود الهند الأخلاقية، تلك العقيدة المعلنة أن «المساواة» مستحيلة بين الناس والعقليات والمدارك؛ لأسباب قائمة في تسلسُل الأعمار والأعمال وتقيُّد المعلومات بالعلل. ويظهر أن الشبيبة الهندية تأبى التسليم بهذه القاعدة العنيدة، إذا ما اعتبرنا ببيان زعيم الشباب الهندي الذي صرَّح بأن العمل لمحو الفروق بين المراتب الاجتماعية هو من أهم بنود برنامجه وبرنامج جماعته.

إن هذا الشاب بكلمة واحدة يهدم الأساس المنيع الذي قامت عليه حكمة الهند منذ آلاف الأعوام، ويهزأ في جد بالعقيدة الهندية التي تنص بأن برهما أخرج من رأسه رجلًا يُدعَى «برهمانا» وسلَّمه «الفيدا»، كُتُب الهندية المقدسة، مستودع الحقيقة الخالدة التي لا تقبل تعديلًا ولا تحريرًا، ومن برهمانا جاء البراهمة ذوو السلطان الروحاني وأمناء السر المكنون، ثم سحب برهما من ذراعه محاربًا يدافع عن الكاهن ويؤيد سلطانه ويحمي ذماره، واستل برهما من جنبه رجلًا هو الفلاح الذي يُعِدُّ للمحارب والكاهن الغذاء وحاجات المعيشة، وهو التاجر الذي يُروِّج تلك الحاجات ويُمهِّد وسائل الحياة، وأخيرًا انتزع من قدمه الإلهية رجلًا رابعًا هو أبو الصنائع وزعيم طبقة العاملين لنفوسهم وللمراتب الأخرى، ومن هذه المخلوقات الأربعة المخترجة من جسد برهما تولَّدت شعوب الهند بمراتبها الاجتماعية، تضاف إليها — أو لا تضاف — طبقة الأسافل المتشردين من حثالة الطبقات ورواسب الجماعات المختلفة كل الاختلاف عن أبناء برهما، المنبوذة بما تثيره من رعب واحتقار، وبما يتمثل فيها من خلاصة القبح والتعاسة.

هذه هي القاعدة القاسية التي ينكرها «مهدلي» زعيم الشبيبة الهندية، وعندي أن هذا البند من برنامجه أهم وأروع من سائر البنود؛ لأنه يشهر حربًا شعواء على الماضي كله، وهو الحيز الفارق بين مهدلي وبين غاندي.

ومطلبه هذا منطقي يتناسب وسنه، كما أن رأي غاندي يتناسب وسنه أيضًا. لقد قال لامرتين مرة: «إن كل شاب في العشرين ثوري حتمًا»؛ لأن الشباب ينزع دائمًا إلى الخروج عن دائرته، أما الكهولة وبخاصة الشيخوخة، حتى ولو كانت ثوروية من قبلُ؛ فترجع شيئًا فشيئًا عن نزوعها ذاك، وترغب في التمركُز ضمن دائرتها. هذه هي القاعدة، ولكن ليس صحيحًا القول بأن الشاذ لا يقاس عليه، إن كل شاذ قاعدة في بابه كالمألوف سواء بسواء؛ إذ كل شيء من الحياة آتٍ، وكل شيء في الحياة باقٍ.

كل هذا كان يعرفه غاندي ذو الروح الحلوة النبيلة، إلا أن تحقُّقه الآن بالفعل يثير بلا ريب في قلبه حزنًا شديدًا، بَيْدَ أن هذا الحزن سيكون عاملًا في جعل شخصيته الفذة أبكر وأوسع وأطهر، ويجعلها أتمَّ أهلية لاستقبال وجه «النيرفانا»، والغرق في «الفيض النوراني» الأزلي السرمدي …

نكبة المخدرات في مصر

جامعة مُحكَمة هي مقالة الدكتور حافظ عفيفي باشا في مجلة «إمبارير ريفيو»، التي نقلتها البارحة تلغرافات «الأهرام» الخصوصية في موضوع المخدرات في مصر، وقد علَّقت عليها المجلة تعليقًا رشيدًا حيث هي تقول: «ولا ريب أن الأعمال التي تقوم بها كل حكومة بمفردها لا تستطيع أنْ تدفع الشر ولا تمحوه، ونحن على استعداد أن نضم صوتنا إلى صوت الوزير الجليل، ونناشد هذه البلاد أن تسير في طليعة الدول الأخرى متى حان الوقت لدرس المسألة في عصبة الأمم في الشهر القادم، ووضع حدٍّ لتجارة المخدرات التي تمتص النشاط الأدبي والجسماني لكثير من الناس في جميع أنحاء العالم» ا.هـ.

ولو جاز لقلم نسائي أن يقول رأيه المتواضع في هذا الوباء الدولي، لقلتُ إن المشكل لا يُحَلُّ بمكافحة حكومة، ولو كان على رأس القائمين بحله رجل حاذق نشيط كرسل باشا، ولا هو يُحَلُّ بكتابة مقالات ضافية دقيقة، ولا بتعليق صحيفة تناشد بلادها أن تقوم بواجب نبيل، حتى ولا يمكن أن يكون ذلك الحل بيدِ عصبة الأمم المحترمة، إذا ما هي عزمت على وضع حدٍّ ما لتجارة المخدرات؛ المشكل وحله معًا «غارقان» على ما يلوح لي في البحر الاقتصادي العرمرم الذي يغوص فيه العالم. كيف يتسنى لعصبة الأمم أنْ تشل ناحية موفورة الربح لكثير من الأمم التي تُنتِج مختلف المخدرات والمسكرات؟ إن في شلِّها (لو استطاعت العصبة ذلك) جمودًا للنشاط المالي والتجاري، وزيادةً في جيش العمال العاطلين، وعجزًا تحسه ماليات الحكومات، فضلًا عن مالية الأفراد العديدين من المتاجرين والمروِّجين … وكيف يتيسر كل ذلك في وقت يئنُّ العالم بأجمعه تحت وطأة الأزمة المالية، ويبحث عن وسائل للعمل وموارد الرزق؟

… ونكبة العمى

كلمة وجيزة عن الاجتماع الذي عُقِد يوم الإثنين ٣٠ مارس في قسم الخدمة بالجامعة الأمريكية، لتوزيع الجوائز على الفائزين في المسابقة الثانية لعمل «رسوم رمزية عن العناية بالعين»، كلمة واحدة تشير إلى ما قاله الدكتور نجيب برادة في خطابه الضليع، وهو ما معناه: «أن الأسبقية شيء حسن تتنافس عليه جميع الدول، ولكن ليس في العمى، ومصر مع الأسف تسبق جميع البلدان في هذا الباب؛ إذ إن الإحصاء يُثبِت أن سبعةً من كل ألفٍ فيها مصابون بالعمى».

ولقد صفَّقنا لكم كثيرًا، أيها الشبَّان الفائزون، وأعجبنا بدقة رسومكم وحُسْن صنعها، بَيْدَ أننا شاركناكم في تصفيق أشد للفتيات المصريات اللائي فُزْنَ معكم، وكنا نود أن نصافحهن واحدة واحدة، مهنِّئين ناظرةَ المدرسة الثانوية للبنات بشبرا السيدةَ النابهة إنصاف سري حرم الدكتور منصور فهمي، ومعلمةَ الرسم الذكية الآنسةَ زينب عبده كريمةَ السيدة لبيبة أحمد؛ لأن ثلاثًا من أربع أو خمس فائزات هُنَّ من تلميذات تلك المدرسة الممتازة.

نكتفي بهذه الكلمة لأن الصحف ستؤدي واجبها بنشر تفصيل ذلك الاجتماع والخطب التي أُلقِيت فيه، مع نشر الرسوم الرمزية خدمةً للجمهور وقيامًا بإرشاده في هذا الموضوع الخطير. ونحن إنْ أَشَدْنَا بفضل الدكتور شاهين باشا الهمام، وبفضل معاونيه الأبرار، وبفضل سائر الجماعات الغيورة العاملة على مكافحة هذا الوباء الأليم، فإننا نسجل مرة أخرى للجامعة الأمريكية فضلها العميم في إثارة هذه الموضوعات من العناية بالعين، ونشر الدعوة الصحية في البلاد، وسائر ما يقوم به قسم الخدمة العامة من جلائل الخِدَم النافعة المباشرة المحمودة، مع الشكر الحار لرجالها العلماء الأفاضل، وللمصريين والأمريكيين الذين تبرعوا بالجوائز.

النسر المصرى الجديد

طيري، يا نسور مصر الحديثة، طيري معالِجةً شكيمة الأقدار، هازئةً بالصعاب والأخطار! طيري محاذيةً أُطُر الأقمار، سابحةً في مغناطيس الشموس! طيري فوق البحار والصحارى والبراكين، وطيري فوق الآلام والكروب والأتراح! طيري ملوِّحةً بالعَلَم الأخضر الجميل رمز الجمال والرجاء! طيري، طيري، طيري وحلِّقي بين نسور الأمم؛ لتُلْقِي الرعشة في قلوب الرجال، وتضعي دموع الحنان في عيون النساء!

طيري لترغِمينا على التحديق فيك، فنرفع أنظارنا عن فواجع الأرض، ونسرِّحها في مجد السماء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.