هل هو مهمَل في أمته لتثار اليوم ذكراه؟ وهل هو منسيٌّ لتعيد الألسن أحاديثه ونجواه؟ منذ ثلاثة أعوام قال كلمته الأخيرة «أنا انتهيت!» فكان ختام أجله بَدْء مرحلة جديدة لقومه. منذ ثلاثة أعوام خرجوا بنعشه، فصاحت زوجته: «لفُّوه بالراية المصرية ولا تزيدوا! فحسبُه من شارات الفخار هذه الشارة الوطنية!» منذ تلك الساعة لا نتخيل الراية إلا وفي ثناياها شيء من الروح الراحلة الباقية.

منذ ثلاثة أعوام سار سعد زغلول في موكبه الأخير، وتدافعت الجماهير حوله ووراءه شأنها في سائر مواكبه، إلا أنها هذه المرة كانت في تفجُّعها كئيبةً واجمةً، وسالت في هذه الشوارع وتلك الميادين جموع المشيِّعين، ولو كان قاسم أمين حيًّا لكان رأى للمرة الثالثة «قلب مصر» خافقًا — وأي خفوق! وقاسم هو القائل: «١١ فبراير ١٩٠٨ يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل، هي المرة الثانية التي رأيت فيها قلب مصر يخفق، وكانت المرة الأولى يوم تنفيذ حكم دنشواي».

منذ ثلاثة أعوام أُودِع سعد زغلول الثرى وسُجِن في بقعة ضيقة من الأرض، ولكنه في نفس الوقت كبر واتسع وارتفع وتعالى، وشاع وتجمَّع معًا، حتى صار «الفكرة» المتحدرة في ألف ألف سبيل خفي إلى الأبناء والأحفاد، وصار «التيار» الذي يجوز المكان والزمان فيتناول القوم ويتغلغل في نفوسهم، فينسجون منه أسطورة البطولة، ويدوِّنونه فصلًا حارًّا في تاريخ الوطنية، وصار اسمًا «علمًا» قائمًا على مَفْرِق الطريق يفصل بين ما كان قومه عليه من قبلُ، وبين ما يريدون أن يصلوا إليه من بعدُ.

قبل ثلاثة أعوام كان سعد زغلول في حياته زعيمًا مكرَّمًا محبوبًا.

ومنذ ثلاثة أعوام دخل سعد في التاريخ، فصار معبودًا وطنيًّا مقدَّسًا.

***

مَن ذا الذي يستطيع أن يبيِّن لغز الحب: حب الفرد للفرد، وحب الجماهير للزعيم؟

مَن ذا الذي يستطيع أن يشرح معنى الجاذبية الشخصية والمغناطيسية والتأثير الشخصي؟

إن المولعين بالتفسير والتعليل ليجدون هنا مجالًا رحيبًا، فيفسرون ويؤوِّلون، ويقدمون ويؤخرون، ويسهبون ويوجزون، بَيْدَ أنَّ سر الجاذبية أعلى من أنْ تلقي به الضمائر إلى الألسنة والأقلام.

في التاريخ شخصيات ما فتئتْ كهرباؤها تسري إلينا نحن أبناء هذا الجيل، الذين جئنا بعد كرِّ المئين والألوف من الأعوام، كهرباؤها تسري إلينا وتستحثنا حتى ولو كنا من بلاد أخرى، وكانت مصالحنا ترتطم بالمصالح التي دعت تلك الشخصيات إلى تأييدها.

غير أننا نزيِّف الواقع بقولنا إن سعدًا محبوب من الجميع على الإطلاق، لو كان ذلك، ما كان سعد زغلول عظيمًا. إن نصيب العظيم من البغض نصيبه من الحب والمقت أو يزيد، إنما الشخص العادي المألوف هو الذي لا يستحق أن يكون مكروهًا، والعظيم يفيد بما يوحيه من الحب وبما يثير من البغضاء جميعًا؛ لأن خصومه ينهضون لمقاومته وقد شحذت مواهبهم وتجلَّت ممكناتهم في أبرع مظاهرها، وتتم الفائدة على يده في حالَيْ الحب والمقت، ويكمن شأن المحبين والمبغضين شأن الآلات الموسيقية المتنافرة فيما بينها، غير أنها قد تتعاون على نسج لحن عامٍّ بديع.

***

وفي تاريخ مصر الحديثة تكهربنا من شخصيات الموتى ثلاث: جمال الدين الأفغاني، ومصطفى كامل، وسعد زغلول.

أما والموقف موقف ذكرى سعد، فإننا نذكر له حسناتٍ ثلاثًا طُبِعت بطابعه ولم تفارق دِعايته:

أولًا: تحريك طبقات الأمة، وتلك عملية حيوية لا بد أن تتم الوقت بعد الوقت في تربة الأرض وفي طبقات الشعب؛ ليُظهِرا ما هما عليه من المقدرة، وإلا كان الركود المزمن مؤديًا إلى الجمود فالتحجر فالموت، ولقد كان لسعد فضل هذا التحريك والتجديد بقوة شخصيته وبمواتاة الظروف له، فخلق بين مريديه شخصيات جديدة، ويسَّر الظهور لشخصيات كانت مكنونة، وفتح السبيل لمن كانت السبيل مسدودة في وجهه، كما أنه أنال مقاوميه الفرصة لإظهار مقدرتهم، فالمقاومة كالاندماج وسيلةٌ لتجلِّي الشخصيات. ثانيًا: تناسي الفروق المذهبية والطائفية في تكوين الوحدة الوطنية، حتى صار لكل واحد مسلمًا كان أو قبطيًّا أن يقول «إني مصري».ثالثًا: فتح السبيل أمام المرأة والعمل على تحريرها، فبِاسْم سعدٍ ارتفع صوت المرأة، وبِاسْم سعدٍ خرجت المرأة عزيزة في الشوارع، خطيبة على المنابر، متكلمة في المجتمعات، وبِاسْم سعدٍ كان للصوت النسوي وَقْعٌ محمودٌ، وتقبَّلَ الجمهور في رضا وافتخار هذا المظهر الجديد في تطور المرأة؛ لأن المرأة تكلمت في بادي الأمر لتؤيد سعدًا في القضية الوطنية، ولتجدِّد الثقة به مرة بعد مرة، وبذلك اكتسبت هي ثقة الجمهور وعطفه، وظل الجمهور بعدئذٍ يصغي إلى هذا الصوت متكلمًا في أي شأن من الشئون؛ لأنه «اعتاد» الإصغاء في سبيل سعدٍ وفي ظل لوائه.

***

لستُ أعني أن سعدًا «ابتكر» هذه الحسنات وتبرَّع بها من عِنْدِيَّاته، بل قد مهَّد لها ودعا إليها، وأيده فيها أفذاذ مصريون لا نغمطهم في شيء.

إن أجمل الآثار وأنبل الأعمال وأحكم الإصلاحات في تاريخ العالم لم يأتِ بها رجلٌ فردٌ، بل هي أحلام وآمال تجول في مُخَيِّلات الأفراد وعقولهم، وهي حاجات وآلام تمرر حياة الجماعات وتجعلهم يتلهفون على الدواء والتحسين، وما يكون الزعيم زعيمًا إلا باتصاله الوثيق العميق بالنفسية العامة التي حاول تنفيذ مطلبها، وباطِّلاعه الدقيق على ما يُبسَط من الآراء ليتخيَّر منها ما يحسن الأخذ به والدعوة عليه، فينيل هذه وتلك صوتًا ولغة وبيانًا هي لغته وصوته وبيانه، ويجعل من هذه الأجزاء المبعثرة المتناثرة «كُلًّا» متألِّقًا متناسجًا متضافرًا.

ليس من شعب يقوم كله قومة رجل واحد يطالب بالاستقلال لأن شخصًا أو أشخاصًا أثبتوا له حقه في ذلك الاستقلال، ولو كانت الأمة المصرية هاجعة ما قام فيها من يُدعَى سعدًا أو غير سعد، ولكن هو شبل الأسد يتحفز للنهوض عندما يشعر أن في جسده حياة وفي أعضائه قوة، ويمضي في طلب حقه من الطبيعة دون أن يتعهد أحد بإفهامه وتلقينه، فإذا وجد مَن يسير أمامه من جماعته، تَقوَّتْ رغبتُه وشحذت عزيمتُه وسار إلى الأمام شوطًا بعيدًا.

***

وإنما نذكر اليوم لسعد زغلول هذه الحسنات الثلاث؛ لأننا نحن الذين لا شأن لنا في النزعات الحزبية نرى أن الثورة السياسية لا أهمية لها إلا من حيث هي مؤدية إلى الإصلاح الاجتماعي، ميسِّرة تغيير الصيغ الاجتماعية التي يقضي الزمن بتغييرها.

ولئن كان من طبيعة الأشياء أن تظل الأمم زمنًا ما على فكرة مألوفة وصيغة اجتماعية خاصة، فمن طبيعة الأشياء كذلك ومن نصيب الأمم أن يجيء يومٌ ننبذ فيه تلك الفكرة القديمة، وتُبدَّل عنده تلك الصيغة الرثة.

وهل ذلك خير أم شر؟

سرعان ما نسمع على هذا السؤال جواب المتفائلين وجواب المتطيرين، والواقع المحسوس هو أن في ذلك التغيير من الخير والشر بقدر ما يكون منهما في مجاهدة الطائر الصغير لكسر البيضة، والخروج من سجنها الضيق إلى مسرح الحياة ونور الشمس.

ربما كان الطائر الصغير أوفر هناء وأنعم بالًا عندما كان قانعًا داخل سجنه، ولكن الحياة ليست في الهناء والراحة، بل هي في العمل والإجهاد، وليست السعادة غاية الأمم في التطور، وإنما غايتها أن تتحرر، وخصوصًا أن تتثقف حتى تصل بمواهبها وملكاتها إلى قسطها من الكمال النسبي، وكل ما يقوم في وجهها من العقبات والآلام إنما هي وسائل للثقافة والكمال.

***

هذه هي بعض الأفكار التي تثيرها ذكرى الجبَّار الهاجع الخالد، وهذه هي بعض الحسنات الاجتماعية التي التصق أثرها بدعايته الوطنية.

فلئن هتفنا بحياة ذكرى سعد، فإنما نحن نهتف بحياة ما للعواصف من حرارة، وما في النفوس من أَرْيَحِيَّة، وما في الآمال من حيوية، نهتف كذلك للإصلاح الاجتماعي والثقافة الفردية؛ سعيًا إلى ما تتوق إليه كل أمة تريد البقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.