الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، والصلح جائز بين النواب والوزراء، إلا صلحًا أضاع على الدولة حقًّا، أو كلفها من الأعباء ما لا تطيق.

وقد كان خصام بين بعض الوزراء وبعض النواب، اشتد وعظم، حتى خاف شره بعض البيئات، وجد في إصلاحه، وسعى في هذا الإصلاح سعاة مهرة، يحسنون الحذر، ويجيدون الإشفاق من تفاقم الخطوب في أيام يحسن ألا تظهر فيها الخطوب. ثم أذن الله أن يُعقَد مجلس الصلح أول أمس في غرفة من غرفات البرلمان، وأن يحضره النواب الغاضبون، ويحضره عن الوزارة ثلاثة، منهم الرئيس، قد ندبوا أنفسهم، أو ندبهم زملاؤهم لهذه المفاوضات الشاقة، أو التي كان يُخاف أن تكون شاقة. ولم يكن بين هؤلاء الثلاثة من الوزراء وزير المالية، الذي هو أصل الخصومة، ومثير الخلاف.

وقد انقسم الناس في تأويل غيبته عن هذا المجلس، فزعم بعضهم أنه لم يشهده؛ لأنه لم يحفل بالصلح، ولم يفكر فيه، ولم يَسْعَ إليه، بل لم يرد أن يستمع للساعين إليه، وإنما كان سواء عنده أن يرضى من رضي، ويغضب من غضب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه لم يرد إلا خيرًا، ولم يأتِ إلا حقًّا وعدلًا، ولأنه كان — وما زال — يملك أدلة ناصعة قاطعة، تفحم المجادلين، وتقطع حجة الخصوم، وتثبت ما سجله في منشوره تسجيلًا من أن بين أعضاء الهيئات النيابية من استفادوا من استثناء غير مباح؛ فالتووا بالضرائب، وتلكئوا في أداء الأموال.

ومن كانت في يده مثل هذه الحجج القاطعة لم يحفل بالخصومة ولا بالخصوم، ولم يضره أن يتألب عليه المتألبون، ويلح في حربه المُلِحُّون.

ووزير المالية رجل أخص صفاته صفتان؛ الأولى: أنه نابغة، لا يحفل بغير النابغين، والنابغون في مصر معدودون، لا يكادون يتجاوزون مجلس الوزراء؛ فوزير المالية يحفل بزملائه الوزراء، على تفاوت في ذلك بمقدار تفاوتهم في النبوغ.

الثانية: أنه مُرٌّ كالحنظل، أو أَمَرُّ من الحنظل، عند الذين لا يسيغون نبوغه، ولا يستطيعون أن يفهموه، أو يطمئنوا إليه. وهو يشفق على عامة الناس من نبوغه ومرارته معًا؛ فإذا كانت بينه وبينهم خصومة أو خلاف خاصمهم من بعيد، لا خوفًا منهم ولكن خوفًا عليهم.

وهو من أجل ذلك خاصم سماسرة البورصة من بعيد، وهو من أجل ذلك خاصم النواب الغاضبين من بعيد. وكل ما يمن به على خصومه الضعفاء، إنما هو أن يتفضل، فينيب عنه رئيس الوزراء الرجل الطيب؛ ليجبر خاطرهم، كما يقول العامة، ويردهم إلى الهدوء والاستقرار كما يقول المتحذلقون.

وهو من أجل ذلك، أناب رئيس الوزراء عن نفسه، أو ترك رئيس الوزراء يرضي السماسرة، كما تركه يرضي النواب أول أمس، وانصرف هو إلى أعمال أخرى أجل خطرًا، وأحق بعناية عظماء الرجال من إرضاء السماسرة، وبعض النواب.

وزعم قوم آخرون أن الوزراء أنفسهم هم الذين يأبون على زميلهم وزير المالية أن يشهد مجالس الصلح؛ لأنهم يعرفون أنه موفق دائمًا فيما يعمل، ولكنه قليل التوفيق فيما يقول؛ فهم يخشون أن يشهد مجلسًا من مجالس الصلح، فيقول كلمة يريد بها الخير، ولكنها تنتهي إلى الشر المستطير. والناس لم ينسوا بعد أن وزير الحربية سجل عليه مرة في مجلس النواب أنه لا يُوفَّق في الكلام.

فزملاؤه إذن هم الذين منعوه من أن يشهد مجلس الصلح الذي عُقِد أول أمس؛ حرصًا منهم على أن يتم هذا الصلح بالفعل، وخوفًا منهم أن يستحيل إلى خصام عنيف. وزعم قوم آخرون أن وزير المالية لم يشهد مجلس الصلح أول أمس خوفًا وإشفاقًا، فقد كان النواب الغاضبون يريدونه على أن يعتذر، ولا يرضون منه غير هذا، وهو لا يريد اعتذارًا؛ فخاف أن يشهد المجلس فيُستدرَج إلى ما لا يريد طوعًا أو كرهًا.

والظريف أن خصومه من النواب حين دعوا إلى مجلس الصلح ظنوا أنهم سيلقون خصمهم، فلما لم يروه سألوا عنه، وألحوا في حضوره، فأما رئيس الوزراء فآثر الصمت، وأما وزير الزراعة فاضطرب بعض الشيء، قال إن زميله مشغول في مجلس الشيوخ، وأما وزير الداخلية، فهو أفصح من أن يلتزم الصمت، وأثبت من أن يضطر إلى الاضطراب، وأذكى من أن يعبأ بالجواب؛ ولذلك رد على السائلين بأن رئيس الوزراء هو الذي دعا إلى هذا الصلح، ثم ارتقى في الرد، وانقلب سائلًا بعد أن كان مسئولًا، فقال: ألا يرضيكم أن يكون رئيس الوزراء نفسه القاضي في هذا الخصام؟! وأي النواب يستطيع أن يقول إن حكومة رئيس الوزراء لا تُرضَى؟!

وكذلك اصطلى رئيس الوزراء حر هذه الحرب، مع أنه لم يجنها، ولم يدعُ إليها، وظل وزير المالية بعيدًا عن الميدان ينظر، ويسمع، ويبتسم، وينشد قول الشاعر القديم:

وكتيبة لبستها بكتيبة

حتى إذا التبست نفضت لها يدي

على أن الحرب لم تكن ضروسًا ولا عنيفة، ففي كلام رئيس الوزراء بركة، وفي صوت رئيس الوزراء عذوبة تردُّ القلوب إلى صفائها، والنفوس إلى نقائها. ولم يكد رئيس الوزراء يتحدث إلى النواب بكلمة من كلماته العِذاب، حتى بلغ من إرضائهم ما كان يريد، فتم الصلح. ولكن بين من؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الجواب عليه.

تم الصلح بين النواب ورئيس الوزراء، ولكنهم لم يكونوا مختصمين، وإنما كانت الخصومة بين النواب ووزير المالية، فهل تم الصلح بينهم وبينه؟ وأي الفريقين نزل عن رأيه واعتذر إلى صاحبه؟ هل استرد وزير المالية منشوره من المديرين والمأمورين والعمد؟ هل اعترف وزير المالية بأن ليست هناك ضرائب متأخرة عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية؟ هل غيَّر وزير المالية أمره للمديرين والمأمورين والعُمَد بأن يجبوا الضرائب من المصريين جميعًا، على قاعدة المساواة، وأن يحجزوا على الملتوين بالضرائب جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب، وأن يرفعوا إلى النيابة أمر المبددين جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب؟ كلا؛ لم يسترد وزير المالية منشورًا فيما نعلم، ولم يغير وزير المالية أمرًا من أوامره هذه فيما نعلم، ووزير المالية أنبغ وأذكى وأدنى إلى البطولة من أن ينهزم في هذا الموقف، أو يغير رأيًا لا يشك في أنه الحق. وإذن؛ فبين من كان الصلح؟! وعلى أي قاعدة أُقِيمَ؟!

ولا تصدق ما يُشاع ويُذاع، ويملأ الأسماع، من أن غضب الغاضبين لم يكن من هذا المنشور وإنما كان من منشور آخر سري؛ فالغضب قد كان من هذا المنشور نفسه، فلما أُذِيعَتْ أنباء التعليمات السرية، اشتد الغضب حتى غَلَتْ مراجله في صدور الغاضبين. وقد لا يكون وزير المالية أصدر منشورًا سريًّا غير هذا الذي أذاعته الأهرام وغضب منه الغاضبون، ولكن من المحقق أن هذا المنشور الذي أصدره وزير المالية قد انتهى إلى المديرين وصدرت التعليمات بتنفيذه إلى المأمورين ثم إلى العمد. ولم يخطئ من قال لرئيس الوزراء إنه رأى في دفتر بعض العمد إشارة تليفونية تمس هذا الأمر.

وإذن؛ فوزير المالية النابغة البطل مقيم في مكانه لا يريم، ثابت في موقفه لا يتحول، معلن إلى الناس جميعًا أن هناك أموالًا للدولة قد تأخرت عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية، وأن هذه الأموال يجب أن تُجبَى، وإن دعا ذلك إلى الحجز، وإلى رفع الأمر إلى النيابة. وإذن؛ فبين من كان الصلح؟! وعلى أي أساس أُقِيم؟! كان بين النواب ورئيس الوزراء، الذين لم يختصموا قط. أو قُلْ إن شئت: لم يكن هناك صلح، وإنما كانت هناك تسوية، وإعانة على تجرع الكأس، وقبول من الغاضبين لهذه الكأس المرة التي أهداها إليهم صبري بك.

وأي غضاضة عليهم من أن يشربوا كأسًا مُرَّة؟! أليست مرارتها تأتي من أن الشراب الذي تحتويه هو الحق، والعدل، والمساواة؟!

نظن أن وزير المالية لم يُقدِم على هذا الصلح الحرام، الذي يُضيِّع على الدولة حقًّا أو يكلفها ما لا تطيق، ولكن هذا لا يغير موقفًا مؤلمًا حقًّا، وهو أن وزيرًا أراد أن ينفذ القانون، فثار به وتألب عليه نيف وثلاثون من حماة القانون.

ونظن أن وزير المالية ورئيس الوزراء والذين يُعنَون بأن تكون مصر بلدًا متحضرًا، حسن السمعة، نقي الخُلُق يوافقوننا على أن هذا كثير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.