السيمية Samantics فرع كبير من فروع علم اللغة الحديث، موضوعه مراجعة «التعبيرات» لتصحيح دلالتها والملاءمة بين ألفاظها ومعانيها، على حسب أطوارها المتتابعة في أزمنتها ومواطنها.

ذكرت السيمية كثيرًا في مطالعاتي الصحفية في هذا الأسبوع، وكان مما ذكرني بها عبارات شتى كالعبارة الآتية:

قالت الصحيفة، راوية الخبر، بعد شرح القضية: «وأمرت المحكمة بحبس المتهم حبسًا مطلقًا مع تأجيل الدعوى.»

والمقصود من عبارة الصحيفة مفهوم، وهو أن الحبس غير معلق على موعد محدود، ولكن وصف الحبس بالإطلاق يجمع بين النقيضين، ولا تناقض — مثل هذا — في العبارة التي ألفناها من قديم: وهي الحبس إلى أجل غير مسمى.

والقصة التالية أيضًا مما يوحي بالتعليق على كلمة عظيم مشهور، لم تزل موضع أخذٍ وردٍّ في دلالتها وصدق تعبيرها منذ قالها ذلك العظيم المشهور، وهو المستشار البروسي بسمارك مؤسس الرايخ الألماني على أثر حرب السبعين.

كان بسمارك يرد على الذين يحذرونه من عاقبة التسليح، وهي الحرب لا محالة، فيقول: إنني لا أنتحر خوفًا من الموت!

وتعاد هذه العبارة اليوم لمناسبات شتى يدعو إليها طول الأخذ والرد في مسائل التسليح، ولكن الوقائع لا تقيم الحجة التي تؤيد لنا منطق بسمارك ومنطق القائلين بقوله كما كان يعينه، فإن الانتحار خوفًا من الموت أمر غير بعيد فيما نعلمه من وقائع الحياة، وآخرها في أخبار الصحف حادث الرجل الذي قتل نفسه في السيارة العامة؛ لأنه مطارد بالثأر المبيَّت له منذ سنوات، وقد وازن بين مواجهة الخوف من الموت مرة واحدة، ومواجهة هذا الخوف مرة بعد مرة ويومًا بعد يوم، وسنةً بعد سنة، فهان عنده الخوف المختصر ولم يهن عنده الخوف الذي يطول به الأجل ويزداد كلما عاد.

و«بيدي لا بيد عمرو» مثل قديم يصحح في مذهب التعبير خطأ المستشار العظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.