كصاعقةٍ تضرب رأسك بينما تسير في صحراء، كاكتشاف النار، كلقاء حبيبٍ غائب، كتجرِبةٍ أولى في معمل العلوم لطلابٍ صغار، كإخراج الأرنب من القُبَّعة، كسرابٍ يصير ماءً، كمراقبة لاعب سيرك يسير على حبْلٍ ممتدٍّ في الفضاء، كخبرٍ عن ظهور التنين، كمصباحٍ يضيء في نهاية النفق المُظلم؛ هكذا هي اللحظة المدهشة أثناء الانغماس في القراءة والكتابة، تضرب القارئَ والكاتبَ معًا، يبتسم القارئ وتتَّسع عيناه ويلتهم ما تبقَّى من الكتاب، وتنفرج أسارير الكاتب ويغمس قلمه أكثر في الحبر، ويواصل اختراع الدهشة.

لا كتابة حقيقية بدون إدهاش، ولا إدهاش بدون إمتاع. في القصة أو الشعر أو المسرح أو السينما، إنها تلك اللحظة التي تُورق فيها الوردة، فتغوص في مقعدك وأنت تحدِّق أكثر في الشاشة أو الكتابة. الإدهاش هو قدرة الإنسان على الخلق، على الإبداع، على رسم حياة موازية كفيلة بالمتعة. إنها فتْح الباب التاسع والتسعين — المغلق دومًا في القصص التراثية — والارتماء في العالم الذي يتشكَّل. ما يفعله الإبداع المدهش هو ما وصفه «نيكانور بارَّا» في قصيدته «الأفعوانية»:

على مدى نصفِ قرن

كانَ الشعرُ

جَنَّةَ أشدِّ الناسِ حُمقًا

حتى أتَيتُ

وبنيتُ أفعوانيَّتي.

اصعدْ إن أحببت.

طبعًا أنا لستُ مسئولًا إنْ أنتَ نزلتَ

وفمكَ وأنفكَ ينزفانِ دمًا!

في «كافكا على الشاطئ» ﻟ «هاروكي موراكامي» كان الرجل يُكلِّم القطط ويخاطب الحجارة، وكانت السماء تُمطر أسماكًا، وكان رجل آخر يجمع الأرواح كي يصنع بها نايًا. وفي روايات ماركيز تطير النساء، وحين تضع الفتاة يدها على النافذة فتصبح خضراء ندرك أنها وقعتْ في الحب. وفي ألف ليلة وليلة تتنقَّل ما بين البساط السحري وطيور الرُّخِّ العملاقة وسيَّافٍ مجنون يطارد بقية الحكاية. الدهشة إذنْ هي تمرُّد على الواقع، ليس بالضرورة أن تنتميَ للواقعية السحرية، أو الفانتازيا أو السريالية، أو الخيال العلمي. الدهشة تأتي أيضًا من التفاصيل البسيطة، النظرة المغايرة للأشياء التي نراها يوميًّا دون أن ننتبه، وهذا هو الفن.

يقول «تشارلز سيميك»:

في الستينيات عندما كنت أُصنَّف على أني سريالي، بعد ما يزيد على أربعين عامًا من الحركة، السرياليةُ بنفسها بدت سخيفة. كان دائمًا يبدو لي أن هناك طريقتين للنظر إلى العالم: واحدة بعيون مفتوحة، حيث بالطبع هناك الكثير من الأشياء الممتعة للنظر، بينما الطريقة الأخرى بعيون مغلقة، حيث أحيانًا تستطيع أن ترى الأشياء بطريقةٍ أفضل. في كتابتي، أبدًا لم أوضح للقارئ: «حسنًا، الآن أنا سوف أغلق عينيَّ.» بدلًا من ذلك أنا أعود للخلف متناوبًا بين الطريقتين كما يُعجبني. بالطبع أنا أتقبَّل الواقع. نعم، لكن لقد رأيتُ الكثير من الواقع في حياتي ليس بسبب ذلك، لكن بدون خيال لا يستطيع المرء أن يصنع شيئًا ذا قيمة ممَّا رآه.

هذا يعني أن «الإدهاش» يمكن أن تقتنصه من رجلٍ مارٍّ، من ظلٍّ مُلقًى على الأرض، من وجبة طعام اعتيادية تتناولها كلَّ يوم على ذات الطاولة؛ لذا يمكن اعتبار الإدهاش أيضًا ثورةً على الحياة الاعتيادية، تمرُّدًا على الواقع اليومي، تغييرَ الاعتيادي إلى غريبٍ ننظر تجاهه نظرةً أخرى، الفن بإدهاشه إذنْ يغيِّر نظرتك إلى العالم.

وفي الكلمة التي ألقاها الروائي البيروفي «ماريو فارغاس يوسا» بمناسبة حصوله على جائزة نوبل أشار إلى هذا المعنى، بقوله إن «الأدب هو تمثيلٌ مخادعٌ للحياة، ومع ذلك يساعدنا بشكلٍ أفضل على فهمها، على قيادتنا في المتاهة التي وُلدنا فيها، التي نجتازها والتي نموت فيها. إنه يُعوِّضنا عن الخيبات والكبت اللذَين تصفعنا بهما الحياة الحقيقية؛ إذ بفضله نستطيع أن نفك — ولو جزئيًّا — شفرة هذه الهيروغليفية التي يُشكِّلها الوجود بالنسبة إلى غالبية الكائنات البشرية، وبخاصةٍ بالنسبة إلينا نحن المسكونين بالشك أكثر من اليقين.»

«دهشة الفن» دافع أساسي للقارئ لكي يُكمل قراءة النص، وللكاتب لكي يكتشف عوالم أخرى تُعينه على الحياة، لكن لا يكفي أن يكون الإدهاش وحده هو سلاح الكاتب، ﻓ «النكتة» التي يرويها عجوز على مقهًى في شارع جانبي من مدينة مَنسيَّة، مدهشةٌ بشكلٍ ما، فالمفارقة في نهايتها تدفع الجالسين لرفع حواجبهم عاليًا ثم الانفجار ضحكًا؛ لذا لا يكتفي الكاتب بالحكاية المدهشة التي تنتزع الضحكات أو الشجن أو تثير الحزن؛ فهناك اللغة المستخدَمة، والسياق الجمالي للنص، هناك المغايرة التي تسير بموازاة الحياة، هناك معنى الفن وجماليته وعنفوانه وتأثيره.

تطوَّر «الإدهاش» مع تطوُّر الكتابة، بدايةً من الإدهاش اللغوي بالمجاز والجناس في الشعر العربي القديم؛ وهو منتشر بشدة في الفنون الشعبية: «الموَّال»، و«فن الواو»، و«السِّيَر الشعبية»، مرورًا بالمفارقة ونقطة الإضاءة، وصولاً إلى الإدهاش بشكله الحالي الذي لا يتطلَّب من الكاتب أن يُقدِّم ما هو غريب بقدر ما هو ما متماسٌّ مع رُوح القارئ وشعرية التفاصيل البسيطة، وهو في كل هذا يفسِّر لنا أحد أسباب رغبتنا الدائمة في العودة إلى نفس الكتب التي قرأناها من قبلُ لنقرأها مرةً أخرى.

البعض يرى أن الإبداع ليس إدهاش المتلقِّي وإنما هو عفوية الكلمة، وهذا صحيح إلى حَدٍّ كبير؛ لأن الفن يجب أن يجمع بين الإدهاش والبساطة والعمق، وأن يتم بحرفيةٍ وبذكاءٍ في نفس الوقت، كما في لوحات سلفادور دالي مثلًا. وهذا يجعلنا نُفرِّق بين «الإدهاش» و«الإمتاع»؛ فالإدهاش — في ظني — متعلِّق بالفن أكثر، وإن كان الإمتاع ربما يجده البعض في أعمالٍ فنيةٍ قليلة القيمة (البعض يستمتع بمشاهدة المسرح التجاري)، لكن الإدهاش هو جزء أساسي في جوهر الفن الحقيقي، حتى لو كان يُقدِّم الواقع، مثلما فعل نجيب محفوظ في رواياته الواقعية، لكن ما يدهش حقًّا هو بناءُ هذا العالم المركَّب، والعلاقاتُ المتشابكة، وبثُّ الرُّوح في شخصيات على الورق فتبدو وكأنها من لحمٍ ودمٍ، ومحاكاةُ الحياة التي تجعل من النص حياةً موازية، يفضِّلها البعض على حياتهم الحقيقية.

الدهشة أحد أهم المعايير الجمالية للنصوص ومفتاح أسئلتها، هي قرينةٌ لعدم تَكرار الكاتب نفسه؛ لأن القارئ سيكتشف الخدعة إذا قرأ أكثر من عمل، دليلٌ على أن الكاتب قد نجح في الوصول للقارئ، ليست شرطًا للفن لكنها جوهره، ليست كلمات متنافرة متراصَّة بعضها بجوار البعض لخلق دهشة مصطنَعة، بل هي البساطة الآسرة التي تمس عقلك كعصا ساحر، الدهشة تختار الكاتب كما قال «يوسَّا»: «لا يختار الكاتب موضوعاته، بل الموضوعات هي التي تختاره.» فيا له مِن محظوظٍ مَن يقع عليه الاختيار!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    ABOUMUKHTAR⬇ ·٢٤ ديسمبر ٢٠١٤، ٢١:٣٣ م

    رائع استمتعت جداً بما قرأت . إنها ذات الأسئلة التي تؤرق الكاتب .