يجب أن يعلمها الإنجليز المقيمون في مصر، وأن يعلمها معهم بعض المصريين الذين يبتغون إليهم الوسيلة ويلتمسون عندهم المعونة والتأييد، ويجب أن تعلمها «الإجبشيان جازيت» خاصة؛ لأنها تعرب عن أولئك وهؤلاء، ولأنها هي التي تدعونا إلى أن نقرر لها هذه الحقائق، بعد أن كتبت هذا المقال الظريف الرشيق الذي نشرته صباح أمس وترجمته عنها صحف أصدقائها الوزاريين.

حقائق ما نظن «الإجبشيان جازيت» تجهلها، وما نظن قراءها من الإنجليز وأولياءها من المصريين المساكين يجهلونها؛ لأننا نعيش في عصر لا تجهل فيه البديهيات، ولا تخفى فيه الأوليات على عامة الناس فضلًا عن المثقفين الذين يحررون الصحف، ويشتغلون بالسياسة، ويعالجون أمور الشعوب.

وأوضح هذه الحقائق وأشدها جلاء أن حرية الرأي في كل شيء، وفي السياسة خاصة، إذا كان الإنجليز يقدسونها في بلادهم، ويرعون حرماتها حق الرعاية، ولا يستبيحون لأنفسهم أن يغلوها، أو يقيدوها، أو يحظروها على أحد من الإنجليز، ولا سيما حين يكون من المعارضين. فإن المصريين يقدسون حرية الرأي كما يقدسها الإنجليز، ويرونها حقًّا لهم كما يراها الإنجليز، ويريدونها أن تكون في بلادهم جِدًّا لا لعبًا، وحقيقة واقعة لا كلامًا يكتب أو يقال، والمصريون يعلمون حق العلم أنهم بعيدون مع الأسف الشديد، عن أن يستمتعوا بهذا الحق المقدس، ولكنهم يصرُّون كل الإصرار على أن يظفروا به، وينتهوا إليه، ويكون حظهم منه كحظ الإنجليز سواء بسواء. وقد تظن «الإجبشيان جازيت» أن المصريين مغرورون حين يريدون أن يظفروا بما يستمتع به الإنجليز في بريطانيا العظمى؛ لأن المصريين لم يبلغوا من الحضارة مبلغ الإنجليز ولا بدَّ لهم من أن يتواضعوا ومن أن ينتظروا. ولكن «الإجبشيان جازيت» خليقة أن تعلم أن التجارب السياسية في هذا العصر الحديث قد أقنعت الناس بأنهم جميعًا سواء، وعلمتهم أن ليس لأحد منهم فضل على آخر في الاستمتاع بالحقوق السياسية، وأن حقوق الشعوب، لا يمكن أن تقصر على طبقة دون طبقة، ولا على جماعة دون جماعة كما علمتهم أن الاستعمار وتسلط الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة مرض بغيض يجب أن تقاومه الأمم ما وجدت إلى مقاومته سبيلًا. فالمصريون حراص على حرية الرأي، وعلى الاستمتاع الصحيح بها، ويجاهدون في ذلك ما وسعهم الجهاد، ويضحون في سبيل ذلك ما وسعتهم التضحية، ويحتملون في سبيل ذلك ما يمكن وما لا يمكن حتى لوم «الإجبشيان جازيت» واستهزاءها، وجرأتها على مصارحة المصريين، في بلاد المصريين بأنهم قوم يجب أن يؤخذوا بالقمع والإذلال، وألا يطمعوا بما يستمتع به الإنجليز من الحرية والاستقلال.

لن يغير المصريون رأيهم في هذا، سواء أرضي الإنجليز أم سخطوا، سواء أقبل الإنجليز أم أبوا. ولن يتردد كل مصري مثقف، في أن يذيع هذا كله ويبثه في هذه الطبقات، التي تزدريها «الإجبشيان جازيت»، وتريد أن يترفع رئيس الوفد عن مخالطتها، وتبيح للوزارات أن تأثم في ذات الحرية؛ لتظل هذه الطبقات جاهلة، غافلة، خاضعة لما يراد بها من الذلة والخنوع.

يجب أن تعلم «الإجبشيان جازيت» وقراؤها من الإنجليز وأولياؤها من المصريين المساكين أن ما كان يمكن أن يقال في القرون الماضية لا يمكن أن يقال الآن، وأن الدعوة إلى تقسيم الشعب إلى طبقات بعضها محترم عزيز، وبعضها ممتهن ذليل، قد أنتجت في أوروبا، وفي بلاد الإنجليز أنفسهم، نتائج خطيرة مروعة، لم ينسها التاريخ بعد. وما نظن أن الإنجليز يحبون أن تحدث في مصر، وأن يدفع إليها المصريون. وما نظن أن الإنجليز يجهلون أن الإلحاح في كتابة فصول كهذا الذي كتبته «الإجبشيان جازيت» أمس خليق أن يؤدي إلى هذه النتائج ويدفع إلى هذا الشر المستطير.

يجب أن تعلم «الإجبشيان جازيت» وقراؤها من الإنجليز، وأولياؤها من المصريين البائسين أن من أعجب العجب ومن أشد الأمور نكرًا، ومن الخزي الذي توصم به الحضارة الأوروبية الحديثة أن يعيش الأجانب في بلد كمصر فلا يحفظوا له حقًّا، ولا يرعوا له كرامة ولا يتحرجوا من أن يعلنوا فيه الدعوة إلى التفريق بين الطبقات، وإلى إيثار جماعة من أهله بالرعاية، وأخذ كثرته بالعنف؛ لا لشيء إلا لأن هذه الكثرة ليست غنية، ولا موسرة ولا قادرة على ما يقدر عليه الأفاقون من هذه الحياة الناعمة السعيدة التي لا يصلون إليها إلا في هذه البلاد والتي ما كانوا ليحلموا بها لو عاشوا في بلادهم تلك، التي تقدس فيها الحرية، وتحترم فيها حقوق الشعوب.

يجب أن تعلم «الإجبشيان جازيت» أن المصريين لن يرضوا أن تكون حياة الأجانب في بلادهم وسيلة إلى استعبادهم أو سببًا إلى إذلالهم. وإنما الذي يرضاه المصريون ويلحون فيه، ويُعلِّمه المثقفون منهم لغير المثقفين، هو أن مصر يجب أن تكون للمصريين أولًا وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الأجنبي طارئ على مصر، فإن استطاع أن يعيش فيها ملائمًا بين مصلحته ومصلحة الوطنيين فذاك، وإلا فأرض الله واسعة وبلاده أحق به، وأعطف عليه. والمصريون يعلمون حق العلم أن الأجانب يفرضون أنفسهم عليهم فرضًا، وأن الإنجليز يضحون بمصالحهم، في سبيل المصالح الأجنبية، وأن الإنجليز أقوياء، يملكون من وسائل القهر والعنف ما لا يملكه المصريون. ولكن هذا كله لا يخيف المصريين، ولا يغير رأيهم في أن مصر يجب أن تكون لهم أولًا، وفي أنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه «الإجبشيان جازيت» أن تكتب مثل ما كتبت، والذي لا تستطيع وزارة مهما تكن أن تسمح لها بمثل ما تسمح لها به الوزارة القائمة من إهانة المصريين في بلاد المصريين.

قد يكون هذا اليوم بعيدًا، وقد يكون قريبًا، ولكنه آتٍ من غير شك، كما أن يومًا من الأيام قد أتى على إنجلترا، فسمح للعمال بأن يتولوا الحكم وأن يستأثروا به أحيانًا دون الطبقات الأرستقراطية العليا التي كانت تحتكره احتكارًا.

ثم يجب أن تعلم «الإجبشيان جازيت» أن رئيس الوفد لم يقتنع فيما يظهر بما يدعو إليه أصحاب المنافع العامة من الإنجليز من أن بين المصريين فروقًا، تجعل بعضهم أحق بزيارته من بعض. وإنما هو مقتنع بما يقتنع به الإنجليز في بلاد الإنجليز من أن أبناء الشعب كلهم سواء، ومن أن فقراءهم أحق بالعناية من أغنيائهم، ومن أن جهالهم أحق بالعناية من مثقفيهم، ومن أن رعاعهم أحق بالعناية من ممتازيهم. وعلى هذا فسيزور رئيس الوفد ما يشاء، من الأقاليم والمدن والقرى، وسيسلك رئيس الوفد ما يشاء من الطرق والشوارع والحارات، وسينزل رئيس الوفد حيث يشاء من الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة، وليس للشرطة ولا للوزارة ولا لدار المندوب السامي ولا للإجبشيان جازيت أن ترسم له خطة، أو تفرض عليه طريقًا أو تحظر عليه طريقًا أخرى، وإنما هذا حقه المقدس يستمتع به متى شاء، كما يشاء، فإن خلت القوة بينه وبين هذا الحق فذاك، وإن حالت القوة بينه وبين هذا الحق سجلت على نفسها الخوف والحرج والخذلان، وسجلت على سياسة الاستعمار خزيًا لا يشرف، ونفاقًا لا يرفع الرءوس.

أما بعد، فإن الإنجليز أحرار في أن يحبوا الظلم ويؤيدوه ويدعوا إليه وينتفعوا به، ولكن من الحق عليهم أن يذكروا أن قومًا آخرين قد سبقوهم إلى أخذ مصر بالظلم، وحكمها بالقسوة والعنف، ولكنهم لم يبلغوا منها شيئًا، بل ذهبوا وظلت مصر باقية، والإنجليز أنفسهم قد أخذوا مصر بالعنف والقسوة أعوامًا وأعوامًا، وهم الآن يستطيعون أن يسألوا أنفسهم، ماذا جنوا؟ وهل بلغوا من إذلال مصر وإخضاعها ما يريدون؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.