أثارت الموجة الجديدة من الميكنة القائمة على أجهزة الكمبيوتر كثيرًا من القلق والنقاش بشأن فَقْدِ الوظائف ومستقبل التوظيف، أما ما لم يَنَلِ القدرَ ذاته من النقاش فهو كيف تشكِّل أجهزة الكمبيوتر طريقةَ عمل الأشخاص وتصرُّفهم أثناء اضطلاعهم بوظائفهم، وكذلك في حياتهم الشخصية. فمع تحوُّل الكمبيوتر إلى أداة عالمية لأداء مختلف المهام، ماذا يحدث للمواهب المتنوعة التي كان الناس يطوِّرونها عن طريق الاحتكاك المباشِر بالعالم بكل ما يتَّسِم به من تعقيد وتشابك؟ في مقال «النسيان الكبير» الذي ظهر في العدد الجديد من مجلة ذي أتلانتِك (صدرت النسخة الإلكترونية للمقال تحت عنوان «كل شيء يمكن أن يضيع») تناولت بعض التبعات غير المتوقَّعة للميكنة القائمة على أجهزة الكمبيوتر، لا سيما كيف تنزع البرامج — بالطريقة التي تُصمَّم بها حاليًّا — إلى سَلْبنا فرصةَ تطوير مهارات ثرية ومميزة تُكتسَب بشِقِّ الأنفس. ويكتشف علماء النفس وخبراء العوامل البشرية وغيرهم من الباحثين، أنَّ الثمن الذي ندفعه نظير ما توفِّره الميكنة من يُسْر وراحة هو الحدُّ من القدرات البشرية.

وإليكم جزءًا مقتطَفًا من ذلك المقال:

وجد علماء النفس أننا عندما نتعامَل مع أجهزة الكمبيوتر، فإننا كثيرًا ما نسقط ضحيةَ داءَيْن معرِفِيَّيْنِ: الاطمئنان الزائد والتحيُّز، يمكنهما أن يُضعِفَا من أدائنا ويُفضِيَا إلى ارتكاب الأخطاء. يحدث الاطمئنان الزائد الذي تصيبنا به الميكنة عندما يخدعنا الكمبيوتر ويبثُّ فينا شعورًا زائفًا بالأمان، فإننا إذ نثق في أنَّ ذلك الجهاز لن يشوب عملَه شائبةٌ، وسيتعامل مع أي مشكلة تطرأ؛ نسمح لانتباهنا بالتشتُّت، فننفصل عن عملنا ويذوي إدراكنا بما يحدث حولنا. أما التحيُّز فيحدث عندما نثق ثقةً مفرطة في دقة المعلومات التي تردنا على شاشات الكمبيوتر، فتصبح ثقتنا في البرامج على درجة من القوة حتى إننا نهمل مصادر المعلومات الأخرى — بما في ذلك أعيننا وآذاننا — أو نغضُّ الطرف عنها. فعندما يقدِّم الكمبيوتر بيانات غير صحيحة أو غير كافية، نظل غافلين عن الخطأ.

وثمة أمثلة موثَّقة عن الاطمئنان الزائد والتحيُّز في مواقف عالية المخاطر — في كبائن قيادة الطائرات وساحات القتال، وفي غُرَف التحكُّم في المصانع — إلا أنَّ الدراسات الحديثة تشير إلى أنَّ تلك المشكلات يمكن أنْ تثير متاعبَ جمَّةً لأي شخص يتعامل مع جهاز كمبيوتر؛ فكثير من مختصي الأشعة اليوم يستخدمون برامج تحليلية لتمييز المناطق المثيرة للشك في الصُّوَر الشعاعية للثدي (ماموجرام). عادةً يساعد ذلك التمييز على اكتشاف الأمراض، ولكن يمكن أن يكون له أثر عكسي أيضًا؛ فعندما يتحيَّز مختصو الأشعة باقتراحات البرنامج، فإنهم قد يُلقُون نظرةً عابرةً على المناطق التي لم يميِّزها البرنامج في الصور، ومن ثَمَّ يُغفلون أحيانًا أورامًا في مراحل مبكِّرة. ومعظمنا خبَرَ شعورَ الاطمئنان الزائد عند استخدام الكمبيوتر؛ فعند استخدام البريد الإلكتروني أو برامج معالجة النصوص، تقلُّ كفاءتنا في التدقيق اللغوي عندما نعلم أنَّ خاصية التدقيق الإملائي تعمل.

وتشير قدرة أجهزة الكمبيوتر على إضعاف الإدراك والانتباه إلى مشكلةٍ أعمقَ؛ فالميكنة تحوِّلنا من فاعلين إلى مراقبين. ذلك التحوُّل قد يجعل حياتنا أكثر سهولةً، ولكنه قد يَحُول أيضًا دون تطوُّرِ الخبرة. منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، عكف علماء النفس على توثيق ظاهرة تُدعَى «تأثير توليد الأفكار»، وقد لُوحِظت تلك الظاهرة لأول مرة في دراسات المفردات اللغوية، التي كشفَتْ أن الأشخاص يتذكَّرون الكلمات عندما يعمدون إلى استحضارها في أذهانهم — أي عندما «يولِّدونها» — أفضل بكثير مما يتذكَّرونها عندما يقرءونها فحسب. واتضح منذئذٍ أنَّ تلك الظاهرة تؤثِّر على عملية التعلُّم في ظروف كثيرة متباينة؛ فعندما تنخرط بنشاط في أداء مهمةٍ ما، فإنك تُشغِّل عمليات ذهنية معقَّدة تتيح لك الاحتفاظَ بقدر أكبر من المعرفة؛ فتتعلم أكثر وتتذكَّر أكثر. وعندما تُكرِّر المهمة ذاتها لفترة طويلة من الوقت، يُكوِّن الدماغ دوائرَ عصبيةً متخصِّصةً تُكَرَّس لذلك النشاط؛ فيجمع مخزونًا ثريًّا من المعلومات وينظِّم تلك المعرفة بطريقة تتيح لك الوصول إليها فورًا.

يمكن للخبير — سواء أكان سيرينا ويليامز في ملعب كرة التنس، أم ماجنس كارلسِن أمام رقعة شطرنج — أن يتعرَّف على الأنماط، ويقيِّم الإشارات، ويتفاعل مع الظروف المتغيِّرة بسرعة ودقة يمكن أن تبدو عجيبةً. فما يبدو غريزيًّا هو مهارة اكتُسِبَتْ بشقِّ الأنفس؛ مهارة تتطلَّب نوعَ الكفاح الذي تسعى البرامج الحديثة إلى التقليل من حدته.

Automation and the Decay of Talent by Nicholas Carr. Rough Type. October 24, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.