هو مفروض على قرية من قرى مصر منذ أكثر من أسبوع، وهو مفروض بأدق معانيه وأشد صوره، لا هوادة فيه ولا لين، فالجند يطوِّق القرية تطويقًا، ويأخذ على أهلها منافذ الطرق لا يخرجون منها بحال من الأحوال، ولا يستطيع أحد من أهل القرى، القريبة أو البعيدة، أن يصل إليهم أو يدنو منهم، وليس لهم أن يتزاوروا فيما بينهم، أو قُلْ ليس لهم أن يخرجوا من بيوتهم، فهم محاصَرون في قريتهم جماعة، وهم محاصَرون في دُورِهم أُسَرًا وأفرادًا، ولهم زراعة من غير شك تحتاج إلى رعايتهم المتصلة، وعنايتهم التي لا تنقطع، ولكنهم مع ذلك لا يستطيعون أن يرعوها ولا ينبغي لهم أن يعنوا بها؛ فَلْتفسد الزراعة وَلْيكن من آثار هذا الفساد أن يتعرَّض هؤلاء الناس للحرمان والجوع، حين تصلح زراعة الآخَرين، فتقيهم حاصلاتها شر الحرمان ولذع الجوع.

والحصار ليس مفروضًا على الناس وحدهم، وإنما هو مفروض على المتاع ومفروض على الحيوان، فالمتاع لا يستطيع أن يبيع نفسه، والحيوان لا يستطيع أن يخرج وحده للرعي، وإنما هذا وذاك في حاجة إلى الناس الذين يقومون عليهما ويدبرون أمورهما تجارةً ورعيًا أو إصلاحًا، فإذا حُبِس الناس في قريتهم وفي دُورِهم، وإذا نشأ عن ذلك فساد متاعهم وكساد تجارتهم، وهلاك ماشيتهم بعد أن فسدت زراعتهم لما أصابها من هذا الإهمال، فكل ذلك شيء يسير لا بأس به على أحد، ولا جناح فيه على أحد؛ لأن قوانين الحصار وأصوله يجب أن تُنفَّذ كأدق ما يكون التنفيذ. فإذا سألت بعد ذلك عن مصدر هذا الحصار المنظم الدقيق، فستقول لك الحكومة إن أهل هذه القرية لم يُشهِروا على الدولة حربًا، ولم يعلنوا على النظام ثورةً، لم يشقُّوا عصا الطاعة، ولم يفرِّقوا كلمة الجماعة، لم يرفضوا أداء الضرائب ولم يأبوا تنفيذ القوانين، وإنما نجم في أرضهم مجرم، اعتدى على رجل من رجال الأمن، وعجزت الإدارة عن أخذه، وشكت الإدارة في إخلاص العمدة ونصحه للتحقيق، والإدارة حريصة أشد الحرص على أن تأخذ الجاني وتكشف عن أصل الجريمة، فهي مضطرة إلى أن تفرض الحصار على القرية كلها وتحوِّلها سجنًا لمَن فيها وما فيها من الناس والمتاع والحيوان.

وقد تسأل فماذا تكون الحال لو أن الإدارة اتخذت هذا الأسلوب من أساليب البحث عن الجناة والمجرمين، ففرضت الحصار الدقيق على كل قرية يُقترَف فيها إثمٌ، ويعجز فيها السلطان عن أخذ الإثم. فجواب هذا السؤال يسيرٌ أيضًا، وهو أن الإدارة لا يعنيها ما سيكون، وإنما يعنيها ما هو كائن، وما دامت الإدارة تشعر بصعوبة البحث والتواء طرقه، فلا جناح عليها في أن تختصر الطريق وتفرض على الأبرياء عذابًا لم يستأهلوه، ولم يحتملوا ما يدعو إلى أن يُفرَض عليهم، وقد تقول إن القوانين لم تُشرع لتفرض حصار القرى في أيام السِّلْم والأمن، وتعذيب الناس في غير استحقاق للعذاب، وتعريضهم لهلاك الحرث والنسل، فقُلْ ما شئتَ، والتمِسْ من وجوه الاستعطاف ما أحببتَ، وأثْقِلْ على الوزارة في اللوم وشدِّدْ عليها النكير، فكل ذلك لن يُغنِي عن هؤلاء الناس شيئًا، فقد حصرت قريتهم أكثر من ثمانية أيام، ولم تصل الإدارة فيما يظهر إلى أخذ الجاني، فيجب أن يتصل الحصار ويستمر أيامًا وأيامًا، حتى يُؤخَذ الجاني أو يُدَلُّ عليه.

لعلك تنكر كل هذا الكلام، ولعلك تظن أنه نوع من الخيال، وفن من فنون الحديث تضطر إليها الصحف، حين تلحُّ في المعارضة، وتحمل الوزارات ما لا تحتمل من الأثقال، ولكنك من غير شك قد قرأتَ الصحف ورأيتَ فيها أخبار هذا الحصار، وتبيَّنْتَ من اتصال هذه الأخبار وانقطاع الوزارة عن تكذيبها أنها ليست وهمًا ولا خيالًا ولا تحامُلًا على الوزارة والإدارة.

ولعلك رأيت في الأهرام أن الإدارة لم تأتِ ما أتَتْ من هذا الحصار إلا بإذنٍ من النيابة العامة، وإذًا فليس على الإدارة بأس ما دامت النيابة قد أذنَتْ لها بهذا الحصار، ولكنك توافقني من غير شك على أن الإدارة ما كانت لتعجز عن أخذ الجاني، وما كانت لتشك في إخلاص العمدة ونصحه للتحقيق، وما كانت لتضطر إلى حصار هذه القرية بإذن النيابة أو من غير إذنها، لو أنها عنيت بأمور الأمن كما ينبغي أن تعنى الإدارات بأمور الأمن، ولو أنها فرغت لحفظ النظام كما ينبغي أن تفرغ الإدارات لحفظ النظام، ولو أنها انصرفت لما أُنشِئت له ولم تُشغَل عنه بما لا ينبغي أن تُشغَل به الإدارات من أمور السياسة والأحزاب، ولو أن وزير الداخلية أنفق في العناية بالأمن والنظام هذا الوقت الطويل وهذا الجهد العنيف اللذيْنِ ينفقهما في العناية بالسياسة؛ لَسار المديرون سيرته، ولَسار المأمورون سيرة المديرين، ولَسار العمد سيرة المأمورين، ولَأصبح من العسير جدًّا أن يُعتدَى على الأفراد العاديين فضلًا عن رجال الشرطة، ولَصار من العسير جدًّا أن يستخفي المجرم فلا تستطيع يد السلطان أن تصل إليه، ولَصار من العسير جدًّا أن يسلك العمد في البحث عن المجرمين مسلك الشك والريب.

ولكن وزير الداخلية مشغول، مشغول برئيس حزب الشعب: أيستقيل من الحزب أم يبقى فيه؟ أيرشِّح نفسَه لرياسة مجلس النوَّاب أم يَدَع هذه الرياسة للدكتور رفعت باشا الذي اشتراها بالوزارة منذ زمن بعيد؟ أَيَدَع النواب ينضمون إلى الوزارة ليكونوا حربًا عليه، أم يضم النواب إليه ليكونوا حربًا على الوزارة؟ وهؤلاء النواب أيسرعون إلى الوزارة حين تدعوهم ويتنكرون لصدقي باشا بعد أن كانوا له شيعة وأتباعًا، أم يقيمون على العهد ويحتفظون بالود لرئيسهم القديم؟ والذين يسعون إلى الغريب مَن يكونون؟ وكم يكونون؟ وما قيمة سعيهم إن كثروا؟ وما قيمة سعيهم إن قلُّوا؟ وما قيمة سعيهم إن كانوا من البشاوات؟ وما قيمة سعيهم إن كانوا من الذين لم يظفروا بالألقاب؟ وصدقي باشا أتقتصر حربه للوزارة على هذه الحركات الظاهرة أم له حركات خفية لا بد من استقصائها والبحث عنها وأخذ الطريق عليها.

كل هذه مسائل خطيرة، خطيرة جدًّا، لا يكون الوزير وزيرًا إلا إذا عني بها، وفرغ لها، وهو إن قصَّر في هذه العناية، عرَّض الوزارة للخطر واضطرها إلى الاستقالة أو السقوط، وإذا تعرَّضَتِ الوزارة للخطر، فالدولة كلها معرَّضة للخطر؛ لأن الوزارة هي الدولة، ولأن الدولة هي الوزارة، ولأن الوزراء هم مصر، ولأن مصر هم الوزراء؛ فالذين يطلبون إلى وزير الداخلية أن يعنى بالأمن والنظام، وأن يحول بين القرى وبين أن تُحاصَر في غير حرب ولا ثورة، إنما يكلِّفون الوزير شططًا، ويطلبون إليه أمورًا لا ينبغي أن تُطلَب إلى الوزراء في بلاد يسود فيها حكم الدستور والقانون.

وعلى هذا النحو يكون التفكير السياسي والعمل السياسي في هذه الأيام السعيدة التي نستمتع فيها جميعًا بأحسن ما استمتع الناس به من العدل، ونذوق فيها جميعًا ألذَّ ما ذاق الناس من أنواع النعيم، ولا تَقُلْ لرئيس الوزراء شيئًا، ولا تسل رئيس الوزراء عن شيء، فما دام وزير الداخلية مشغولًا إلى هذا الحد، فرئيس الوزراء أكثر منه شغلًا وأضيق منه وقتًا، وأقل منه فراغًا للأمن والنظام، وأقصر منه يدًا عن أن يحمي الأبرياء من أن يُؤخَذوا بذنوب المجرمين، وعن أن يحمي القرى من أن يُفرَض عليها الحصار الدقيق في غير حربٍ، ولا ثورةٍ، ولا تمرُّدٍ على النظام.

ونعود فنقول إن طبيعة الحياة المصرية في هذه الأيام تقتضي هذا النوع من التفكير السياسي ومن العمل السياسي. ينصرف الوزراء إلى السياسة وأي سياسة، فينصرف المديرون والمأمورون والعمد إلى مثل ما انصرف إليه الوزراء، فتقع الجرائم وتُقترَف الآثام حتى على رجال الأمن، وتعجز الإدارة عن أخذ المجرمين، فتفرض العذاب على الأبرياء حتى يدلوا عليهم أو يدلوا هم على أنفسهم.

والمصري الذي لا يعجبه هذا النوع من الحياة ولا يرضيه هذا المذهب في العناية بالسياسة والإدارة والأمن، حُرٌّ في أن يهاجر من مصر، فأرض اللَّه واسعة، وفيها بلاد كثيرة يُحفَظ فيها الأمن حقًّا ويُصَان فيها النظام حقًّا، ويُؤخَذ فيها المجرمون دون تعذيب الأبرياء وإخضاع القرى الهادئة المطمئنة لأشدِّ أنواع الحصار.

والغريب أن رئيس الوزراء هو الرجل النزيه الطيب الذي لا يحب الإثم ولا يطمئن إلى ذكره، والذي نهض فيما يقول ليوزع العدل بين الناس بالقسط، الغريب أن رئيس الوزراء هذا يغدو إلى مكتبه باسمًا ويروح إلى داره باسمًا، ويحارب خصمه صدقي باشا باسمًا، كأنَّ الجرائم لا تُقترَف، وكأن الإدارة لا تعجز عن أخذ المجرمين، وكأن القرى لا يُفرَض عليها الحصار في الوقت الذي يُهيِّئ فيه خطبة العرش ليعلن فيها باسمًا إلى النوَّاب والشيوخ أن الأمن مستقرٌّ، وأن النظام على أحسن ما يكون من الهدوء والاطمئنان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.