لا أظن أن الرقابة في حاجة إلى قانون جديد كما وعد بذلك السيد وزير الثقافة؛ فقد انصبَّ النقد على الرقابة بالذات لا على قانونها، وعملُ الرقابة دقيق حساس، وهيهات أن يحظى بإجماع في الرضا عنه؛ فهي في حاجة إلى ترشيد متواصل بالنظر إلى ملابساتها المتغيرة التي يندُر أن تَثْبُت على حال لفترة طويلة من الزمن.

ولعله مما يسدِّد خُطاها أن يعقد الوزير باعتباره ممثلًا للدولة والأغلبية الشعبية مع جهازها لقاءات دورية، ويا حبذا لو شهدتها غرفة السينما والنقابات الفنية والنقاد؛ لتبادُل الحوار والرأي ووَصْل الأسباب بينها وبين الرأي العام خدمةً للفن والمجتمع، وفي ذلك الكفاية لتطويرها المستمر، وعقد أواصر التعاون بينها وبين الفن وأهله، دون تدخُّل من قانون جديد، هذا فيما يخصُّ الفنون الجماهيرية التي تقتضي ظروفها الخاصة نوعًا من الرقابة الرشيدة.

أما الإشارة إلى ضم الكتاب إلى هذه الفنون فقد وقفتُ أمامها مذهولًا غير مصدِّق؛ ذلك أن للكتاب قدسيةً خاصةً، وجمهوره ومؤلفوه من خاصة المثقفين، وهم قلة للأسف لا كثافة لهم، وعلى درجة من النضج لا يُخشَى معها عليهم من ضلال أو تضليل، ولا يتصور وضعهم تحت وصاية كائن من كان. وفضلًا عن هذا وذاك فقد تحرَّر الكتاب من الرقابة في عهدٍ يُعتَبَر من الناحية الديمقراطية متأخرًا عن العهد الحاضر، فكيف يفكر في إعادتها اليوم ونحن نبني للديمقراطية صرحًا ونفتح لها النوافذ والأبواب، ونكسب لها كلَّ يوم موقعًا جديدًا؟

الديمقراطية ليست أشكالًا ومؤسسات، ولكنها قبل كل شيء سلوك وأخلاق وتقاليد تبلُغ ذروتها العليا في الفكر وحريته، والكتاب هو الرمز المحسوس لهذا الفكر؛ ولذلك فالمعاملة التي يلقاها هي المقياس الحقيقي للديمقراطية الحقيقية. وما أعرفه في وزير الثقافة من همةٍ عالية في خدمة الثقافة وغيرةٍ على الديمقراطية والحرية وحماس للوطنية والتقدم يجعلُ أملي في عُدُولِهِ عن هذا التفكير أقوى من أيِّ تشاؤم أو يأس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.