إلى اليوم الخامس من هذا الشهر، حين أُعلِن التمهيد لعود الحياة الطبيعية البرلمانية، وأُلغِيت الرقابة على الصحف، كنت أنأى بتفكيري ما استطعت عن شئون السياسة، وكنت أجد الفرصة مواتية للقراءة والتفكير في شئون أخرى.

ومما قرأت في الأشهر الأخيرة قصة (سينويه المصري) للكاتب الفنلندي «ميكا والتري»، وقد أعادتْ قراءةُ هذه القصة إلى ذاكرتي طائفةً من الآراء التي نشرتها منذ ربع قرن، والتي كانت موضع أَخْذٍ وردٍّ بين الكتَّاب في ذلك الحين.

وقصة (سينويه المصري) قصة بارعة تصف حياة مصر لعهد الفراعنة، وتصف بخاصة ما قام من نضال استحال حربًا أهلية أثارها الخلاف الديني على عبادة الإله آمون، وهي عبادة لا تأبى الشرك، وعبادة الإله آتون التي تؤمن بالتوحيد، وبأن كل ما في الحياة مصدره الإله الواحد الأحد. وتتناول هذه القصة كذلك تصويرًا للحياة في بلاد الشرق الأوسط والشام وبابل وجزيرة كريت، وتعنى القصة عناية خاصة بوصف الشعائر الدينية في هذه الديار كلها ومنها مصر، وتطيل في تصوير ما في هذه الشعائر من وحشية وتعصُّب وحب للدماء.

وقد لقيتْ هذه القصة إقبالًا عالميًّا أدى إلى أن تُترجَم إلى لغات عدة؛ منها: الفرنسية، والإنجليزية، وإن لم تُترجَم إلى اللغة العربية فيما أعلم.

أعادتْ هذه القصة إلى ذاكرتي طائفةً من الآراء التي نشرتها منذ ربع قرن من الزمان فكانت موضع أخذ ورد؛ فقد كنتُ — ولا أزال — أؤمن بأن الحياة القومية وحدة على الزمان، كما أنها وحدة في المكان، وأن دراسة التاريخ دراسة دقيقة تتيح لنا من العلم بوطننا وبقومنا وبأنفسنا الشيء الكثير، وأن استلهامنا التاريخ القومي في آدابنا وفنوننا يقوِّي هذه الوحدة، وينهض أساسًا لبعث حضاراتنا الشرقية مصوَّرة في نطاق الحياة الحديثة التي انتهى إليها التفكير، وهدي لها العلم، وفي هذا البعث كسب لنا وللإنسانية كبير.

أثار هذا الرأي حين أبديته لأول مرة جدلًا بلغ في بعض الأحيان حدَّ العنف، فمن قائل: إن هذه دعوة إلى الفرعونية تأباها عروبتنا! ومن قائل: إنها دعوة للرجوع إلى الوراء يأباها التقدم الإنساني، فالأنهار لا تنقلب مرتدَّة من مصابها إلى منابعها! ومن قائل غير هذا وذاك مما لا أذكره اليوم.

فلما اطلعت على قصة (سينويه المصري) واتصل بي أن كاتبها قضى في مصر السنين الطوال ليؤلفها، قلت في نفسي: يا عجبًا! أَوَيكونُ هذا الكاتب الفنلندي العظيم المنحدر إلينا من أقصى شمال الأرض أكثر منا عناية بماضينا واستلهامًا لتاريخنا؟! وهل تراني حين قرأتُ قصته وتذوقت جمالها قد أنكرتُ عروبتي، أو رددت النهر من مصبه إلى منبعه؟! لقد وجدت فيها الشيء الكثير مما يثير التفكير في الدوافع التي تحرِّك الناس في الحياة إلى ما يُقدِمون عليه من أعمال فيها الخير والشر، وفيها الرفق والعنف، وفيها المحبة والبغضاء، وقد استطعت أن أستشفَّ من خلالها صورًا تعاقبت على الإنسانية منذ كانت الإنسانية، ثم لا تزال آثار هذه الصور ولها في حياة الفرد والمجتمع قوة عميقة باقية.

وذكرتني هذه القصة عن الشرق الأوسط وشعائره في العصور الغابرة، وكيف استلهمها هذا الكاتب الفنلندي من تاريخنا في تلك العصور — بما كان حين ابتدأ البعث الأوروبي، وكيف استلهم آدابه وفنونه من اليونان والرومان، فلم تمنع المسيحية شكسبير في إنجلترا، ولم تمنع راسين وكورني في فرنسا، من أن يستلهموا الأساطير الإغريقية القديمة، لإقامة أدب بارع لا يزال حتى اليوم فخر إنجلترا وفخر فرنسا.

وإن لنا في مصر وفي تاريخها لمصدر إلهامٍ للفن والأدب قَلَّ في العالم نظيره، وإذا كان النضال بين الشرك والوحدانية قد ألهم الكاتب الفنلندي قصة (سينويه المصري) يصور فيها عنف النضال بين عبادة آمون وعبادة آتون، فإن قصة موسى وخروجه من بني إسرائيل من مصر على النحو الذي صوَّرتْه الكتب السماوية المقدسة، لَيُلْهِم صورة أكثر روعة وأعظم من ناحية الفن إبداعًا. ومقدم مريم مع ابنها عيسى إلى مصر، ونزولهما عين شمس قصة رائعة هي الأخرى، ولقد شهدت بفلسطين حين زرتها سنة ١٩٣٧ صورةَ هذه الرحلة ممثَّلة في مقصورة خاصة في أحد متاحفها، فبقيتْ هذه الصورة منقوشةً في ذاكرتي لا تبرحها. واتصال مصر بالتاريخ الإسلامي منذ أهدى المقوقس مارية القبطية إلى النبي العربي — عليه السلام — ومنذ الفتح الإسلامي بمصر، يرسم أمام الذهن صورًا نادرة المثال لهذه الحقبة من تاريخ الإنسانية، ولما كان لها من أثر في توجيه التاريخ العالمي كله وجهة جديدة.

والذين قرءوا قصة كوفاديس أو رأوها على الشاشة البيضاء، يحسبون أن ما لقيته المسيحية من اضطهاد في روما قد كان له الأثر الباقي في حياة المسيحية، هذا مع أن ما وقع في مصر من اضطهاد للمسيحية في عهدها الأول لا يقل في جلاله عما شهدته روما إن لم يَزِدْ عليه.

وليس يقف إلهامُ مصر وتاريخها عند هذا الجانب الروحي من حضارة الإنسانية، فمدرسة الإسكندرية قد كانت وارثة الفلسفة اليونانية، وكانت مقصد طلاب العلم والفلسفة في عالم يومئذٍ، وكانت قد جمعت إلى الفكرة الروحية التي سيطرت على وادي النيل عدة قرون، فكرةَ المنطق العقلي الذي برع فيه فلاسفة اليونان، وكان نواة الحضارة الغربية الحديثة حين بعثها في القرن الخامس عشر في أوروبا، وقد كان هذا التزاوج بين الفكرة الروحية والفلسفة المنطقية في مصر صورةً من صور التفكير التوفيقي، الذي قامت عليه مذاهب فلسفية عديدة في حُقَب التاريخ المختلفة.

وبعد أن انتشر الإسلام في مصر ازدهر فيها الفقه الإسلامي، فلما جاء الإمام الشافعي من الحجاز إليها جدَّد مذهبه فيها بما يتفق وما رأى من ألوان حياتها التي تخالف ما أَلِفَ في شبه جزيرة العرب؛ ذلك بأنه كان مجتهدًا، وكان اجتهاده يقتضيه أن يوفِّق بين الآراء الفقهية وأمور الدنيا في حدود ما أمر القرآن به وما نهى عنه.

لا أريد أن أطيل في ذكر ما ينطوي عليه تاريخ مصر من مظاهر التفكير المختلفة، فالطب المصري، والهندسة المصرية، والفنون المصرية في النحت والنقش، وما إليها، تنطق بذلك وتدل عليه، وقيام الأهرام والمسلات والمساجد شاهد ناطق بدقة ما وصل إليه أهل تلك العصور من براعة في علوم الهندسة وفنونها، والموميات الباقية إلى الآن تشهد ببراعتهم في الكيمياء، كما تشهد مظاهر أخرى برقيِّ حضارتهم في عصورها المختلفة.

هذا التراث الضخم الذي تنقل على العصور، وامتد من عهد الفراعنة إلى العهد المسيحي، ثم إلى العهد الإسلامي، يبيح لنا أن نقول: إن تاريخنا بجملته يحتوي من مصادر الإلهام على الشيء الكثير في العلوم والفنون والآداب، ويمكن أن يكون مصدرًا لفلسفة توفيقية وفن توفيقي منقطع النظير.

كيف ترانا مع ذلك لا نستلهم هذا المصدر الغني بأسباب الحياة والحضارة؟! السبب في رأيي يرجع إلى أن هذا التاريخ لم يدوَّن بلغتنا الحاضرة التدوينَ الذي يحببه إلى النفوس، حتى تجد فيه الإلهام الذي وجده صاحب قصة (سينويه المصري)، وهذا التاريخ لم يُكتَب على صور مختلفة تستهوي النفوس؛ لاختلاف اللغات التي تعاقبت على مصر في الأزمان المختلفة، فالهيروغليفية، والرومانية، والقبطية وما إليها من لغاتٍ سبقت لغتنا العربية قد أصبحت كلها لغات ميتة كاليونانية واللاتينية القديمتين، وقلَّ مَن عُني بنقل الآثار التي كُتِبت بهذه اللغات إلى لغتنا الحاضرة. لا أنسى أن الأستاذ سليم حسن، وأن المرحوم عبد القادر حمزة، وأن آخرين كتبوا عن الحياة الفرعونية، وأن غيرهم كتب بعض الفصول عن العصور التي انقضت بين العهد الفرعوني والعهد الإسلامي، لكن ما تحتويه هذه الكتب والفصول على ما لها من قيمة كبيرة، قد تقصر عن إلهام مَن يكتبون لنا قصصًا كسينويه المصري، فلا بد لهذا التاريخ من أن يُنشَر بأساليب مختلفة حتى يستهوي مَن يريدون استلهامه؛ ولهذا طالبت في الماضي وأطالب اليوم بأن يعيره رجال الجامعة، وأن يعيره الأدباء والكتَّاب من العناية ما يشد إليه الأنظار، حتى يكون له من الأثر في إلهام أدبائنا ورجال الفن منا ما نرجوه.

لقد وُضِعت عشرات المؤلفات في تاريخ فرنسا، وفي تاريخ إنجلترا، وفي تاريخ ألمانيا، وفي تاريخ كل أمة متحضرة، ومن هذه المؤلفات ما تُعَدُّ أجزاؤه بالعشرات، وهي تتناول من ألوان الحياة التي تتحدث عن تاريخها صورًا تختلف باختلاف منازع كتَّابها وآرائهم، ولهذا يجد الكاتب القصصي، ويجد رجل الفن فيها المادة التي تلهمه؛ لأنه يقرأ منها ما يتفق مع ميوله واتجاهاته، أمَا صنعنا هذا الصنيع وبذلنا هذا الجهد، ولنا التاريخ الحافل والتراث الضخم الذي يلهم كل مَن يلتمس الإلهام.

هذه خواطر أوحتْها إليَّ قراءةُ (سينويه المصري) أنشرها راجيًا أن يتناولها الكتَّاب بالتمحيص، وإنني لواثق من أن تمحيصها سيكون له أثره في اتجاه جامعاتنا، وفي إلهام أدبائنا وشعرائنا ورجال الفن منا، وسيكون له بذلك من الأثر في حياتنا القومية أعظمه وأبقاه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.