ومَن ذا الذي يفكر فيك، أيها الربيع الجميل، آتيًا كنت أم ذاهبًا أم مقيمًا؟ مَن ذا منا يجرِّد نفسه من نفسه ليتفرغ ولو دقائق كل يوم، لمراقبة تغيُّر المشاهد وتعاقب الفصول، وتنوُّع ما تبديه الطبيعة من أشكال وألوان واكفهرار وبهاء؟

نحن — مثلك — بعض أجزاء الحياة وبعض مظاهرها، وقد نبلغ من الانفعال والاعتكاف على نفوسنا مبلغًا نسهو معه عن كل ما عدانا.

وهل أنت الذي تقاسمنا نصيبنا من الوجود حتى لتصبح مسرحًا لحركاتنا الإنسانية والفردية والقومية، هل أنت مع ذلك تأبه لوجودنا، وتشعر بشعورنا، وتشاركنا في مختلف ما نختبره من اضطراب وحيرة، ونجاح وفشل؟

أولست مِثلنا عاكفًا على ذاتك، مستغرقًا في حيويتك، منشغلًا بإنماء بذورك والتفاف نواميك، ترصد الأهبة لاستكمال سورة النضج في حيويتك وإنباتاتك وأزهارك وأثمارك؟ أولست تجعل كل واحد منا — شأننا فيك — مسرحًا لأعمال النمو والنضج والازدهار، وتُجرِي في عروقنا نفس الماوية التي تطلقها في شرايين الأرض وألياف الغصون ونسيج الغراس وكئوس البراعم؟

بيد أنك منفعل بدورة الفلك وسير الشمس حول الأرض، فتبدأ حيث تريد أو لا تريد، وتنتهي حيث لا نفوذ لك في الاختيار، ونحن مثلك من الناحية الواحدة مسيَّرون، ولكن ما نحن مخيرون فيه إنْ هو أسعدنا مرة، فكم من مرة كنا فيه معذَّبين، كم من مرة جعلَنا التخيُّرُ أشد شعورًا بأن ما نحن فيه مخيرون إنما هو نوع العبودية التي نرضى بها ليس غير!

***

هو ذا الصباح، آخر صباح من أصباحك، والشمس ما زالت محجوبة بالضباب تجاهد في تعجُّل الظهور، فترسل من لدنها بشيرًا، فإذا بخطٍّ مديد من النور الحي البهيج يرتسم على طول جبل المقطم متعرجًا تعرُّجه هنا، متكسرًا تكسُّره هناك، مستقيمًا حيث الصخر يستقيم، منحدرًا فصاعدًا حيث الهضبة تنحدر ومن بعدُ تعلو، ومن خلال الضباب المتلبد تستغل الشمس كل فرجة وكل ثُلْمة وكل شفوف لتبعث برسالتها إلى الجهة المقابلة، فإذا الرسالة نورٌ ينعكس على أرجاء الغروب، فيضرم في زجاج النوافذ ما يُشبِه النار، ويذهِّب زوايا المساكن، فتسطع سطوعًا سحريًّا رقيقًا، ويلوِّن الحجارة بألوان كأن الظلام يطمس معالمها، وتصبغ السحب المتناثرة هنا وهنالك بأصباغ قرمزية ووردية وليلكية وفضية، أو هي تعمل على جعل بياضها أتمَّ نصوعًا وسط الزُّرْقة السحيقة الفيحاء، كأنما تلك السحب أجنحة مرئية لطُغْمة من الملائكة المجنَّحين.

وهذه الأحياء صامتة هادئة، لا يقطع سكونها سوى خطوات نفر البوليس المولج بحراستها، وعلى المنازل تخيم سكينة الرقاد، كأنما للجماد كذلك هجوعٌ في الليل وفي النهار يقظة، وإني لأستشف من وراء الجدران عديد النائمين الغافلين عما تنشره الطبيعة في الخارج وتطويه، المستريحين ساعات قلائل من المشاغل والتبعات والمتع والحرمانات، إنهم سيستيقظون عما قليل فتقول القيود للسجين: ها أنا ذي! وتقول المسئوليات والواجبات والمسرات والآلام للطليق: ها أنا ذي! ها أنا ذي!

وقليلًا قليلًا تتصاعد من أبعاد المدنية أصوات تتجمَّع في صوت واحد منسجم، رغم ما يقطعه من تنافُر، من كل ناحية يتعالى تغريد الأطيار، وهل لتغريد الأطيار كالصباح صفوٌ؟ وهل يتسنى سماعها في جلاء إلا عندما تكون حركات المدينة ساكنة، ويكون أهل المدينة هاجعين؟ وقليلًا قليلًا تُقبِل الأصوات من كل صوب، مقتحِمة جميع الشوارع وجميع الأنحاء حتى لينقلب الجو مجلى شَدْو وترجيع وتطريب، واستيقظت الأطيار المعسكِرة على الشجرة المقابلة لشرفتي، وعلا تغريدها فتفوَّق على كل تغريد. هذه شجرة قديمة مسنة، كبيرة الجذور راسخة الأصول، كثيفة الأوراق متشابكة الأفنان، وقد تولدت أكثر الغصون الفتية في أعاليها، هي الشجرة الباذخة في حديقة لم تحفل بغير العشب وأغراس الأزهار، وسائر أشجار الطريق حيال هذه الشجرة أقزام.

***

تُرَى ما معنى تغريد جوقة الأطيار على هذه الغصون؟ أتسبيحة اليقظة هو، أم ترنيمة الربيع، أم أهزوجة الحياة؟ أم هو مساجلة ومناقشة تتبادل فيها الأطيار آراءها الصغيرة وأفكارها المجهولة لدينا؟ وإذا كان هذا التغريد ترتيلًا، فما هي لغة التخاطب بينها، وكل ما عندها من وسائل البيان صدح وشدو وإنشاد؟

لتغريدها مجتمعة وقت غير طويل، على أن يرتفع في الساعة نفسها من كل صباح، فما إنْ ينقشع ستار الضباب ويمضي قرص الشمس في تسلُّق أول أجواز الفضاء، حتى تعمد العصافير إلى السكوت، وينفض اجتماعها في نظام هو ألذ من التغريد وأطرب؛ لأنه ينم عن ذكاء، ويحدث عن تضامن وتفاهم.

فردًا فردًا تنتقل الأطيار الرشيقة إلى أعالي الشجرة متخيِّرة لوقوفها الفَتِيَّ من الغصون، حتى يتجمع هناك العدد الوافي، ومن يدري ما إذا كان أولئك أعضاء فصيلة أو قبيلة أو طائفة أو جماعة؟ وبعد سكون لحظات يخرج عصفور أولًا، وتخرج بعده عصافير كثيرة تنتظم سِربًا يتأثر أثر العصفور السابق ويتجه، فتلوح في الأفق تلك الظاهرة الطبيعية البسيطة الفتَّانة، ظاهرة سِرب الأطيار يجتاز السماء! لا أظن أن هناك مشهدًا أقدر من هذا على إثارة الشوق إلى المجهول في الإنسان، واهتياج حنينه إلى بلاد نائية وأنحاء غير معروفة، وإذكاء رغبته في مغادرة مكان أقام فيه، لينزع إلى المغامرة، وركوب الأخطار، واقتحام الأهوال، وتمزيق الحجاب الذي ضربته أحكام المسافة وأنظمة الطبيعة من دونه.

لا شك أن للأطيار فضلًا كبيرًا في إنشاء فن الطيران وترقيته، ليس من الوجهة الميكانيكية فحسب، ولكن خصوصًا من حيث تنبيه حاسة المجهول في الإنسان، وشحذ همته في هجرة الديار، وارتياد شاسع الأمصار، وتعرُّف ما لا يُعرَف من أمور وممكنات وأفكار.

وهكذا ما إنْ تغادر الفرقة الأولى مكانها من الشجرة، حتى تحتل ذلك المكان فرقة أخرى تصعد من الطبقات الدنيا إلى قمة الشجرة، ريثما يتكامل عدد الجماعة فتطير بدورها سِربًا، وتحلق وراء طائر يتقدمها، وهكذا يخرج من بين الغصون سِربٌ تِلْو سِربٍ، يختلف كل منها عددًا واتجاهًا، ولكنها في الغالب تولِّي وجهها شطر الشرق، ولا تنقلب أبدًا نحو الغرب.

أَلِأَنَّ الشرق أغنى أرضًا وأخصب تربة وأفعم خيرًا؟ وهل شعوب الغرب تحذو حذو الأطيار في اتجاهها نحو الشرق بغية الغزو والاستعمار؟

وإلى أين تمضي تلك الأسراب؟ أللبحث عن قوت وذخيرة؟ أتجلب — شأن المستعمرين — للمعامل والمصانع الموادَّ الغُفْل مئونةً؟ وهل هي تعدو في المساء إلى نفس المكان الذي جمعها في الصباح؟ وما الذي جمعها في الصباح؟ وهل هي نفسها التي تطير من ذلك المكان كل يوم؟ وما الذي يحدو بها إلى اختيار ذلك المكان دون غيره؟ وكيف تنظِّم الطير جماعاتها وأسرابها وتُقِيم عليها زعيمًا يسير أمامها ساعة تنطلق إلى اجتياز الفضاء؟ وإنْ تَمَّ لها كل أولئك بالسليقة، فيا لها من سليقة عجيبة لا ننجح نحن البشر في تنظيم مثل نتائجها إلا بكدٍّ وعناء، ولا نفتأ نؤدي ثمن ذلك النظام دفعة بعد دفعة من دماء القلوب.

***

أشرقت الشمس وعلت فوق ذُرَى الجبل الواحد الذي يخفر عاصمة أبي الهول، ومضت الأطيار إلى عمل النهار وليس على الغصون من طيرٍ يصدح، واستيقظ أهل المدينة وبدأت حركة الشوارع واستؤنِفت جلبة العمران، وفاض النور على جوانب الأفق وساد طليقًا في كل مكان، وعما قليل تشتد حرارته فتصلينا بسعير الظهائر والهواجر.

أكذلك وداعكَ، أيهذا الربيع، في آخِر صباح من أصباحك؟ وهل أنت تُقبِل كما يُقبِل الواحد منا، وتُدبِر كما يُدبِر، وتُسلِّم وتُودِّع مثلنا سواء بسواء؟ أم أنت تتولد من قلب الشتاء كما يتولد الفرح من قلب الترح، وتذوب عناصرك في مطلع الصيف فتمده بالقوة والحيوية، كما يغني الأمل مصادر النضج في الإنسان ويعلِّمه كيفية التحقيق؟

ألا إنَّ هذه حياة متحابكة الحلقات، متسلسلة الوقائع، متضافرة الفوارق، متلازمة الأضداد، نحسب أننا نحذقها ونفسِّرها ونتصرف فيها، على حين هي تعالجنا وتتصرَّف فينا من غير ما شَرْح ولا تفسير!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.