ستة تفسيرات أخرى عن «سلقط وملقط» ترد إلينا بعد التفسيرات الستة الأولى التي أشرنا إليها في اليوميات الماضية، وهي مثل سوابقها موزعة على أنحاء القطر كله؛ مما يدل على تمكن هذه الأسطورة من المرددات الشعبية في بلادنا، وهي التي يسميها الغربيون بالفولكلور.

إحدى الرسائل من الدكتور محمد جلال الدين علام، مفتش صحة حدائق القبة، وهو يروي ما سمعه من شيخةٍ معمرة عن أصل القصة، وخلاصته أن رجلًا أودع عند آخر إناءً مملوءًا سمنًا، ولما عاد بعد حين لاسترداده وجده فارغًا، فقال: وكيف يفرغ وما سال قط ولا مال قط؟

وإحدى الرسائل الست من الأستاذ عبد الفتاح حسن محمد، المدرس بالفيوم، يقول فيها: إنه مع اقتناعه بتفسيرنا للكلمتين يروي ما اطلع عليه في كتاب النوادر والقصص، وهو تكرار لما تقدم عن قصة العسل والجرة والطفل، أو الأطفال …

ورسالة من السيد محمد رضا السيد عوضين، طالب الطب بجامعة القاهرة، يتردد تفسيرها بين السمن والزيت أو غيرهما من مقتنيات البيوت، ويعيد حكاية الوديعة وعجب المودع من فراغ الإناء وهو ما سال قط ولا مال قط … على تقدير أنه إناء، أو بلاص، أو قدر، بضمير المذكر!

ويروى السيد أحمد عبد الله مسعود، رئيس قلم بوزارة الزراعة، أن الإناء كان مملوءًا لبنًا، وأن قول القائل: «ما سال قط ولا مال قط.» معناه «أنه لا اللبن سال ولا الإناء مال، فأين ذهب اللبن؟»

فصار مثلًا يقال للشيء الذي يخفى فجأةً ولا يترك أثرًا.

ومن أسوان يقول الطالب محمد حسني يوسف عمر المريسي، الطالب بالمعهد العالي الصناعي: إن قصة «سال ومال» متواترة، وإن تفسيرنا يخالف التفسير المنطقي في العبارة كلها؛ فلو لقط الشيء فليس هناك داعٍ لأن يأسف لضياعه …

ولم يذكر لنا الطالب الصناعي: من الذي قال إنهم لقطوا الشيء في الملقط، حيث تفقدوه؟

والسيد محمد أبو الفتوح عبد العزيز، المعيد بجامعة القاهرة، يروي القصة عن أعرابي وأعرابية مشهورين بالبخل، لهما ولد واحد يُقتِّران عليه في الرزق، وهو الذي اختلس العسل من البلاص؛ «لأنه أحدث فيه ثقبًا» ليستقطر منه العسل يومًا بعد يوم، إلى أن أتى عليه.

وسمعنا من طالب سوداني بمدينة البعوث الإسلامية، أنهم يسمعون القصة بجملتها في بلدهم، ولكنهم يقولون «سقط ولقط» بغير ميم في الكلمتين.

وقد كانت قصة لقمان وماء اللفت وبعض جوانبها على تأويلات هذا المثل كما جاء في يوميات الأسبوع الماضي، فنزيدها في هذه اليوميات قصة أخرى ترجع إلى الفارابي الفيلسوف في باب الموسيقى، ولا ترجع في باب الطب إلى لقمان الحكيم.

جاء في الصفحة الرابعة عشرة من كتاب الموسيقى الشرقي لمؤلفه الملحن المعروف محمد كامل الخلعي وهو يتكلم عن أصل العود: «وقيل: إن الفارابي صنعه لما مات والده، وجاء على طبائع الإنسان وقال: هذا أبي ليتسلى به، وعمل له لوالب تربط فيها الأوتار … ولكنه لم يجوِّف له بطنًا ولم يثقب وجهه، بل جعله مسدودًا، فلما ضرب عليه ولم يظهر له طنين، بل خرس، تركه وجعل يقول: إن أبي أخرس! ثم إنه تفقده في بعض الأيام وضرب عليه فظهر له صوت عال، فنظر إليه فإذا الفأر قد نقره، فعلم أن صوته من نقر الفأر، فقال: هذا ليس بأبي … بل الفار أبي … قالوا: ومن أجل ذلك لقبوه به؛ أي الفارابي …»

هذه هي القصة التاريخية الموسيقية التي نزيدها في يوميات هذا الأسبوع، ثم نزيد عليها أنها — على كثرة ما فيها من التوفيقات المليحة — لم تعجب صاحبنا الخلعي ولم يصدقها؛ لأنه كان يعلم أن الفارابي منسوب إلى بلدة فاراب، ولا ينسب إلى الفأر الذي نقر العود.

وتوفيقة سلقط أملح من توفيقة الفار الموسيقار وتوفيقة ماء اللفت من صيدلية لقمان.

ولكن لا نهاية لهذه التوفيقات إذا فتحنا لها الباب على مصراعيه، فقد تصادفنا على الأثر الملوخية من الملوكية، والكرنب من كرب وبنب، والفيوم من ألف يوم، وقليوب من قال أيوب، وسنتريس من سان تريز، وشكسبير من الشيخ زبير، والطرف الأغر من ترافلجار، والموسكي من الموسك، والديناميت من دنا الموت، وشرانيل من شراب النار، والبطارية من صنع البيطار، والتراكتور من «ترك التور»، والفرملة من فرم وولى … إلى غير انتهاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.