لَعلِّي لا أبالغ إذا قلتُ: إننا أمة متعددة الانتماءات، وإن ذلك ينذر حينًا بنوع من الفوضى، وحينًا آخَر باللامبالاة.

مصر ١٩١٩ آمنت بمصريتها أولًا وأخيرًا، قامت نهضتها على أساس من الوحدة الوطنية، وتغنَّتْ بالشعار المعروف: «الدين لله والوطن للجميع»، وكان الانتماء قويًّا فسانَدَ بكل ثقة ثورتنا الشعبية الكبرى، ولم يَعُدْ ذلك على الدين بأي أثر سيئ، فظلت مصر مرجع الإسلام والتراث الإسلامي، أما القومية العربية فلم يكن لها من القوة ما كان لها في بلاد عربية أخرى، واقتصر انعكاسها على أنشطة بعينها، مثل الأدب وذكريات التاريخ، كان الأساس المصري قويًّا، فطوى بين جناحيه الدينَ والعروبةَ بدون أن تؤثِّر في وضوحه وقوته.

أما مصر ١٩٥٢ فقد أدركها تغيُّر ملموس، جعلت من القومية العربية هدفها الخارجي الأول، وتجسَّد ذلك في الوحدة مع سوريا، وحملة اليمن، وكرَّست أجهزة الإعلام دعائيتها لذلك، وتبعتها أو سبقتها كتب التربية في مدارسنا، ونشأ في الوطن فريقان: جيل ١٩١٩ الذي لم يفرط في مصريته، حتى في حال تعاطفه مع القومية الجديدة، وجيل ثورة يوليو الذي انتمى إلى العربية قلبًا وقالبًا، وقد تلقى ذلك التيار ضربة قاضية بعد ٥ يونيو ١٩٦٧.

عند ذاك — وربما كردِّ فعل له — ظهر انتماء جديد وكأنه المأوى والعزاء، وهو الإسلام السياسي، فكانت الدعوة إلى أن يعود الدين للهيمنة على الحياة كلها «الخاصة والعامة» الداخلية والخارجية، ومن هنا جاء مطلبه بإقامة نظام حكم إسلامي، واصطدَمَ بالنظام القائم في صراعٍ ما زال جاريًا محتدمًا.

ويعاصر هذا الصراع ثلاثة انتماءات قد أشرنا إلى كيفية ظهورها، وهي المصري الوطني، والوطني العربي، والإسلامي … ولعل مهمتنا الحقيقية هي أن نخلق من تلك الانتماءات الثلاثة انتماءً أكبر، يحافظ على مكوناتها الأصلية، ويربطها برابطة تكاملية تزيدها قوةً وصلابةً بدلًا من أن تهدر قواها في صراعات عمياء.

إنها مهمة الجميع بدءًا من رجال التربية، وانتهاء برجال السياسة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.