تعرف الساحة السياسية في مصر — وكذا في معظم الدول العربية — جدلًا صاخبًا حول دور الدين في الحياة العامة، والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الشعب المصري على طول تاريخه هو شعب متدين، شديد الاعتزاز والارتباط بقيمه الدينية، والشعب المصري — ربما من دون شعوب العالم — هو أكثر شعوب العالم اهتمامًا بالحياة الآخرة، حيث يعتقد أن الحياة القصيرة التي نعيشها ليست سوى رحلة عابرة إلى عالم الخلود، وكان قدماء المصريين من أوائل شعوب العالم ارتباطًا بالدين وسعيًا لإرضاء الخالق في الحياة الآخرة؛ ولذلك بدأت الدعوة لوحدة الخالق على أرض النيل، عندما حارب أختانون تعدُّد الآلهة بحثًا عن الإله الواحد، فوحدانية الخالق بدأت على أرض النيل.

ولم يكن غريبًا أن ارتبطت الديانات السماوية — بشكل أو آخر — بمصر وأهل مصر؛ فإبراهيم، أبو الأنبياء، جاء من مهجره في العراق مع زوجته سارة إلى أرض مصر، وتزوج جاريته المصرية هاجر حيث أنجب منها إسماعيل أبو العرب، وعندما تنازع أبناء يعقوب — حفيد إبراهيم — وأرادوا التخلص من أخيهم يوسف، فقد انتهى الأمر ليستقر يوسف في بلاط الفرعون المصري، ويصبح أهم وزرائه، ويتزوج هو الآخَر من مصرية، وقد أنقذ يوسف مصر من القحط بنصيحته للفرعون بتكوين مخزون من الغلال في سنوات الرخاء، لاستخدامها في السنوات العجاف. كذلك وُلِد بعد ذلك النبي موسى على أرض مصر، ويقال إن جذوره مصرية، واسمه مصري لا صلة له بالأسماء العبرانية، وإذا كان موسى قد خرج من مصر بعد نزاعه مع الفرعون، فإن تأثير مصر عليه لا يمكن إنكاره.

وعندما وُلِد السيد المسيح في أرض فلسطين، هرب يوسف النجار مع زوجته مريم وابنها الرضيع إلى أرض مصر لعدة سنوات؛ خوفًا على حياة الطفل، قبل أن يعودوا من جديد إلى فلسطين. وبعد ظهور المسيحية، كانت كنيسة الإسكندرية أحد أهم معاقل المسيحية، وكان لها دور ملموس في تشكيل العقيدة المسيحية، كما تحددت في مجمع نيقية عام ٣٢٥ ميلاديًّا، بعد اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين للديانة المسيحية.

وأخيرًا ظهر الإسلام في الجزيرة العربية، وأوصى النبي محمد عليه السلام بأهل مصر خيرًا، «فإنهم في رباط إلى يوم القيامة»، كما تزوج من القبطية مريم وأنجب منها إبراهيم، ولكل ذلك لا غرابة في تعدُّد ذكر اسم مصر في الكتب السماوية؛ فارتباط مصر بالأديان هو ارتباط قديم وعميق، والتدين هو بذلك أحد أهم صفات المصريين. ومع الفتح الإسلامي لمصر في القرن السابع الميلادي بدأ اعتناق المصريين للإسلام، حتى أصبحت لهم أغلبية السكان منذ القرن العاشر، وفي خلال العشرة قرون الأخيرة على الأقل أصبحت مصر منارة الإسلام؛ فقد كان أنْ زالت دولة الأمويين في دمشق، ثم تفككت دولة العباسيين في بغداد بعد غزو المغول لهم، ولم يجد الخليفة العباسي ملجأ يركن إليه سوى مصر، وقبلها قامت الدولة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي ورفعت اسم الإسلام، وحملت القاهرة الراية حتى قبل سقوط بغداد، وكان من أوائل أعمال الفاطميين في مصر إنشاء الجامع الأزهر الذي أصبح منذ ذلك الوقت — وحتى الآن — أهم مراكز العلم للدراسات الإسلامية في العالم، ومن خلال هذا التاريخ الإسلامي الطويل تشكَّل الوعي المصري، حيث لعبت اللغة العربية دورًا حاسمًا في تعميق هذا الوعي، فالثقافة المصرية المعاصرة هي ثقافة عربية إسلامية.

ولكل ذلك، فإن أي حديث عن المستقبل السياسي لمصر لا بد وأن يراعي هذه الطبيعة الخاصة للشعب المصري، فهو شعب متدين يستوي في ذلك المسلمون أو الأقباط، وقد سن الدين الإسلامي — منذ البداية — مبدأ احترام حرية العقيدة، و()، وكانت الدولة الإسلامية — حتى بداية العصور الحديثة — هي الدولة الوحيدة في العالم التي وفَّرت الحماية والرعاية للأقليات من الأديان السماوية الأخرى، فعلى حين لم يكن من المتصور أن تعيش جالية مسلمة في أوروبا حتى العصر الحديث، فقد كانت دولة الإسلام تحفل بأهل الذمة، وكثيرًا ما كان وزراء وكتَّاب الخلفاء والسلاطين من المسيحيين واليهود، وفي الوقت الذي عرفت فيه أوروبا المذابح والاضطهاد لليهود، فإن أعظم فلاسفة اليهود، وهو موسى بن ميمون، نشأ وترعرع في إسبانيا الإسلامية، وكتب مؤلفاته بالعربية والعبرية، ثم جاء واستقر في القاهرة طبيبًا خاصًّا للخليفة الفاطمي، فدولة الإسلام هي دولة السماحة وحرية العقيدة، ولم تظهر بوادر التعصب إلا في أزمان الخيبة والتأخر، وخاصةً بعد الحروب الصليبية والتي صدمت العالم الإسلامي بتعصُّبها وضيق أُفُقها.

ولا يعرف الإسلام كهانة ولا كنيسة، وليس هناك من وسيط بين العباد وربهم، هناك حقًّا علماء في الدين، كما في كل العلوم، ولكن ليس هناك كهنوت في الإسلام، ومن هنا تعدَّدت المذاهب، ولكل مجتهد أجر. فالدولة الدينية مفهوم غريب على الإسلام، وهو ما أكَّده فضيلة شيخ الأزهر في حوار حديث له (الأهرام ١٥ أبريل ٢٠١١)، والنبي الكريم يقول «لا تجتمع أمتي على خطأ.» فالسلطة هي للأمة، ورأي الشعب هو الفصل، وهذه هي الديمقراطية بمفهومها الحديث، وهي أيضًا ما يُعرَف بالحكومة المدنية، فالجميع بشر يخطئ ويصيب، وليس لأحد عصمة فوق البشر، ونبي الإسلام ليس استثناءً، ().

وترى بعض الفِرَق الإسلامية، خاصة من الشيعة، أن لعلي بن أبي طالب — كرم الله وجهه — وضعًا خاصًّا في تولي الإمامة باعتباره من أهل البيت، على نحو يتوارثه نسل الأئمة (في مذهب الاثني عشر)؛ مما برَّر لنظام الحكم في الجمهورية الإيرانية الإسلامية المعاصرة الأخذ بفكرة «ولاية الفقيه»، باعتباره نائبًا عن الإمام الغائب، وهي أفكار بعيدة تمامًا عن عقائد غالبية المسلمين من أهل السنة، فالحكم عندهم هو للأغلبية، وعلى ما يتفق عليه أهل «الحل والعقد»، الأمر الذي أصبح في العصر الحديث تعبيرًا عن رأي الشعب. وإذا كانت «البيعة» قد تحوَّلت في معظم التاريخ الإسلامي منذ الأمويين إلى إجراء شكلي، للموافقة على ولي عهد تمَّ اختياره في حياة الخليفة، فإنها تظل — مع ذلك — رمزًا بأن ولي الأمر إنما يستمد سلطته من رضاء المحكومين وبيعتهم له، وليس من سلطة إلهية عليا، فمنصب ولي الأمر هو شغل لوظيفة سياسية مدنية.

وإذا كانت ممارسة الحكم بطبيعتها عمل سياسي مدني، فإن ذلك لم يمنع من محاولة الحكام والملوك — في أحيان كثيرة — إضفاء صبغة دينية على حكمهم، بمقولة إنهم يحكمون «بتفويض إلهي»، كما حدث في معظم الممالك الأوروبية حتى قيام الثورة الفرنسية، أو عندما أطلق بعض خلفاء العباسيين على أنفسهم أنهم «ظل الله في الأرض»، وحتى بعد قيام الثورة الفرنسية والقضاء على نفوذ الكنيسة، فإن نابليون — ابن الثورة — لم يخجل من أن يقيم مراسم تتويجه بمعرفة بابا روما، لإضفاء طابع ديني على حكمه، وهو نفس الشيء الذي حاوله الملك فاروق، عندما زَيَّنَ له رئيس ديوانه (أحمد حسنين باشا) أن يتم تتويجه بمعرفة شيخ الجامع الأزهر، الأمر الذي رفضه بكل حزم وشدة رئيس الوزراء (مصطفى النحاس باشا)، وكان أن رضخ الملك، وتم تتويجه في البرلمان وفقًا للدستور.

وإذا كان الملوك والحكام قد حاولوا أن يضفوا طابعًا دينيًّا على ملكهم، فإن رجال الدين بدورهم لم يتقاعسوا في مختلف العصور، عن محاولة فرض الوصاية الدينية على الملوك والحكام، وكانت الكنيسة قد تمتعت بمزايا اقتصادية هامة منذ عصر قسطنطين — الإمبراطور الروماني — والذي أقطع الكنيسة أراضي شاسعة، بحيث أصبحت أكبر قوة اقتصادية، ثم أتيح لها أن تفرض ضريبة (العشر) على مختلف الطوائف، بما جعلها أغنى الطبقات الاجتماعية، لحين قيام الثورة الفرنسية التي جرَّدتها من أملاكها، وحرمتها من فرض الضرائب على المواطنين. وقد نافست الكنيسة الملوك على السلطة، ودخلت معهم في حروب طاحنة، ولعله من الطريف أن نلاحظ أوجه الشبه بين دور الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى، ودور رجال الدين من الشيعة في إيران الحديثة، ففي كلا الحالتين يمثِّل رجال الدين طائفة متميزة لها مراسم وتدرُّج هرمي محكَم، وكلٌّ منهما يتمتع بموارد مالية هائلة، حيث يدفع المواطنون من الشيعة نوعًا من الضريبة لصالح رجال الدين، وهكذا جمع رجال الدين في هذه الأحوال بين سلطتَيْ الدين والمال، وكما كان اختلاط السياسة بالمال مفسدًا للأمرين، فإن اختلاط السياسة بالدين إفساد لهما معًا كذلك.

والدولة المدنية لا تعني أنها دولة تعادي الأديان، بل أنها — على العكس — تحمي الأديان وتعمل على احترام حرياتها واستقلالها، ولكنها ترفض أن يتمتع الحكم والحكام بقدسية دينية أو حصانة شرعية، فالحكم عمل بشري، يخطئ القائمون عليه ويصيبون، ويتحملون مسئولية أفعالهم أمام الشعب، وإذا كانت الثورة الفرنسية قد قامت للدعوة لحكومة مدنية خوفًا من تسلُّط رجال الكنيسة على الحكم، فإن الثورة الأمريكية قد طالبت بفصل السياسة عن الدين خوفًا على الدين من تسلُّط السياسة عليها، فالشعب الأمريكي الآن — في ظل حكومته المدنية — هو أكثر شعوب العالم الصناعي تديُّنًا، وقد تحقَّق له ذلك لأنه منع وصاية السياسة على الدين، فالدين هو حق الشعوب، وليس أداة في يد رجال السياسة يستخدمونه أحيانًا، ويسيئون استخدامه أحيانًا أخرى لأهواء السياسة، فالدولة المدنية تحمي السياسة من سيطرة رجال الدين باسم العقيدة، ولكنها تحمي الأديان أيضًا من استغلالها لأغراض سياسية.

الدين أهم وأسمى من أن يُترَك للسياسيين، وهو جزء أساسي من حياة المصريين، ولا يستطيع أي نظام سياسي في مصر أن يتجاهل هذه الحقيقة، ولا يُتصور — كما لا يُقبَل — أن تأمر الدولة بما يخالف الشرائع السماوية، أو تفرض على الأفراد ما يتعارض مع معتقداتهم الدينية. الدين هو للشعب يمارسه في حرية واستقلال، وتضمن الدولة حرية الاعتقاد والممارسات الدينية، وتقتصر الدولة على ممارسة الأعمال السياسية، حيث تتحمل مسئولية أعمالها أمام ممثلي الشعب، دون أن تتخفى وراء ستار ديني يحميها من مسئولية أفعالها، كما لا تتدخل الدولة في الشئون الدينية لتحقيق مكاسب سياسية.

الدولة المدنية تعني المواطنة الكاملة لجميع أفراد الشعب بلا تمييز، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، وأن الحقوق والحريات الأساسية لا يجوز المساس بها ولو بحكم الأغلبية. إننا نريد دولة مدنية تحمي حرية العقائد السماوية، ولكنها تحكم باسم السياسة، وتتحمل مسئوليتها دون قداسة أو حصانة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Nana Saued ·٨ يناير ٢٠١٤، ١:٢٦ ص

    عجبا لرجال اعتقدنا يوما بانهم اصحاب فكر ومبدا فقد افقنا واكتشفنا هويتهم الفارغه اناس اصطنعهم نظام سياسى ظالم جاهل لا يستطيع ان يعلى من شان عظماء بجد ولكنه يستطيع ان يفخم من امثال هؤلاء