… قرأت في كتابٍ قديمٍ قصيدةً بليغةً أعجبني أسلوبها وما حَوَتْهُ من الحكمة، وسميت بالقصيدة الزينبية؛ لما جاء في مطلعها وهو:

صرمت حبالك بعد وصلك زينب

والدهر فيه تصرُّم وتقلُّب

ولكن الكتاب لم يذكر اسم ناظم القصيدة؛ فمن هو؟ وما هي منزلته بين الشعراء؟

فكرية عبد الوهاب حراز، مُدرِّسة، دمياط

صاحب هذه القصيدة هو حكيم الشعراء في عصره صالح بن عبد القدوس. ومن الطريف حقًّا أن تُعجب الأستاذة بالقصيدة التي يقول فيها ناظمها بعد مطلعها:

وكذاك وصْل الغانيات فإنه

آل ببلقعة وبرق خلب

ثم يقول منها:

فدع الصبا فلقد عداك زمانه

واجْهدْ فعُمرك مرَّ منه الأطيب

ذهب الشباب فما له من عودة

وأتى المشيب فأين منه المهرب؟

ولعلها تعجب فوق هذا العجب إذا علمتْ أن هذا الحكيم قد حوسب بقوله وقتل؛ لأنه درج منذ صباه على رأي في الدين لم يعدل عنه بعد بلوغ الشيخوخة كما قال مُتَّهِمُوهُ، فألزموه الحجة من كلامه؛ حيث قال في قصيدة أخرى من قصائد الحكمة:

لا يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

والشيخ لا يترك أخلاقه

حتى يُوارَى في ثَرى رَمْسه

إذا ارْعَوَى عاد إلى جهله

كذي الضنى عاد إلى نكسه

وكان متهمًا بالزندقة، فنقل الوُشاة أحاديثَ زندقته إلى الخليفة المهدي، فقال له بعد أن مَثَلَ بين يديه: ألست أنت القائل:

والشيخ لا يترك أخلاقه

حتى يُوارَى في ثرى رَمْسه؟

فقال: بلى يا أمير المؤمنين! … فعاد الخليفة يقول: وهكذا أنت، لا تترك أخلاقك حتى تموت! وأمَر به فصُلِبَ ومات …

ومن أخبار الزندقة، التي قيل إنها نقلت عنه، أنه شُوهد يصلي صلاةً حسنةَ الركوع والسجود، فَسُئِلَ: ما هذا ومذهبك معروف؟! فلم ينكر ذلك المذهب، ولكنه قال: سُنَّةُ البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد …!

ومن الخسارة حقًّا أن يُذكرَ هذا عن الحكيم الذي كان يفيض بالحكمة فيضًا في كل ما نظم من الشعر، حتى كاد أن يخلو شعره من غير الحكمة، ومنها قوله:

وَزِنِ الكلام إذا نطقت فإنما

يبدي عقول ذوي العقول المنطق

ومن الرجال إذا استوت أحلامهم

مَن يستشار، إذا استشير، فيُطرق

حتى يحل بكل وادٍ قلبه

فيرى، فيعرف ما يقول، فيَنطق

وهو القائل:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

وهو القائل:

أنست بوحدتي ولزمت بيتي

فتم الصفو لي ونما السرور

وأدَّبني الزمان فليت أني

هُجِرْتُ، فلا أُزار ولا أزور

ولست بسائل ما عشتُ يومًا

أقام الجند أم نزل الأمير؟

بل هو القائل كل كلام يحتاج إليه الفتى المنصوح من الشيخ الحكيم؛ ليعرف طريق الخلاص من المصير الذي صار إليه، بمنطق لسانه، بعد أن عرف كل ما عرف، وقال كل ما قال!

ولكنَّه القدر، كما قيل، يعمي البصر، وقد عمي ابن عبد القدوس وفقد بصره قبل أن يفقد حياته (سنة ١٦٧ للهجرة) … ولعله — غفر الله له — قد عاش ومات مفترًى عليه؛ إذ ليس الافتراء على أمثاله بالعجيب ولا بالقليل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.