سؤالان عن اسم أبي الهول من الطالبين الأديبين عبد الحميد عبد العال الجمال وشكري أبو ضيف بدوي الحبيشي، وكلاهما يدرس قصيدة شوقي عن أبي الهول ولا يعلم من مراجع الدرس سبب هذه التسمية.

والسبب الذي يسأل عنه الطالبان الأديبان غير معروف على وجه التحقيق، ولكن المعروف أن التسمية قديمة بعد الفتح العربي وشيوع الكلام باللغة العربية في وادي النيل، وقد أشار المؤرخون إلى ذلك ولم يذكروا أصلًا لهذا الاسم غير التداول على ألسنة العامة.

قال المقريزي: «إنه عرف أولًا باسم بلهيب …» ويقول أهل مصر اليوم أبو الهول. وقال القضاعي: إنه هو صنم الهرمين، وهو بلهوية صنم كبير من حجارة بين الهرمين لا يظهر منه سوى رأسه فقط، تسميه العامة بأبي الهول، ويقال: بلهيب. ويقال: إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على إبليز الجيزة. وقال في كتاب «عجائب البنيان»: وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض في غاية العظم تسميه الناس «أبو الهول» ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض، ويقتضي القياس بالنسبة إلى رأسه أن يكون طوله سبعين ذراعًا فصاعدًا …»

ويظن بعض المحدثين أن هذا الصنم سمي بأبي الهول بعد شيوع الأسطورة اليونانية عن الغول الذي كان له رأس إنسان وجسم حيوان، وكان يلقي الرعب والهول في قلوب الناس؛ لأنه كان يسألهم سؤالًا مَن لم يجبه قتله لساعته … وكان سؤاله هذا عن مخلوق يمشي على أربع، ثم يمشي على اثنتين ثم يمشي على ثلاث، وقد هلك على يد هذا الغول كثيرون عجزوا عن الإجابة ساعة سؤالهم، إلى أن سمع الغول الجواب الصحيح من أحد الحكماء فقتل نفسه … وكان هذا الجواب أن المخلوق المسئول عنه هو الإنسان؛ لأنه يدرج على أربع في طفولته ويمشي على رجلين إلى أيام شيخوخته، ثم يتوكأ على العصا في سن الشيخوخة فكأنه يمشي على ثلاث.

ولم يثبت أن هذه الأسطورة شاعت في وادي النيل بعد شيوع الكلام باللغة العربية، ولم يكن الصنم القديم غولًا في عرف المصريين الأقدمين؛ لأن عادة المزاوجة بين أجسام الحيوانات ورءوسها قديمة جدًّا يرمزون بها إلى الأرباب تارة وإلى المزاوجة بين القوى الإنسانية والقوى الحيوانية تارة أخرى، فمن المشكوك فيه كثيرًا أن يكون للأسطورة اليونانية المزعومة صلة باسم أبي الهول. ولا يفوتنا أن نذكر أن الصنم على هذا الشكل نشأ في مصر ونقلته عنها جميع أمم الشرق الأدنى وشواطئ البحر الأبيض التي عرفت فيها المزاوجة بين شكل الإنسان وشكل الحيوان، فليست قصته الأولى مما ينقل عن بلد غير وادي النيل.

ويرجح الأستاذ سليم حسن في كتابه الذي ألفه باللغة الإنجليزية عن أبي الهول، أن هذا الاسم مصحف عن برهول أو بوهول بمعنى مكان «هول» بالمصرية القديمة.

أما كلمة «هول» فيرى الأستاذ سليم أنها مصحفة من اسم إله كنعاني يسمى هورن، وأن عبادة هذا الإله نقلت إلى اليونان، وسميت باسمه في مصر بلدة «هورنوبوليس» التي كان سكانها من اليونان المتمصرين.

قال الأستاذ: «وقد بحث الأثريون سنوات طوالًا عن موقع هورنوبوليس هذه فلم يهتدوا إليه، إلى أن عثروا بجوار أبي الهول على الصحيفة رقم (١٦) وفيها فوق صورة الصنم هذه العبارة: «ياهور – أن – اكبت» «يا واحد هورنيا الإله العظيم» وتحت ذلك عبارة أخرى تقول: هذا قربان يهبه الملك إلى روحك يا واحد هورنيا … هوريم — اكبت الإله العظيم.»

ثم قال الأستاذ: «إننا بحثنا عن أسماء الأماكن التي تقع بين موضع منف وموضع هليوبولس، فأفلحت مساعينا حيث وجدنا على مسافة ميلين من أبي الهول قريتين تسمى إحداهما هارونية البحرية وتسمى الأخرى هارونية القبلية، ولاح لنا أن الأمر أعجب من أن يكون حقًّا، ولكننا لم نلبث أن عرفنا أن الموقع قديم واستخرجنا منه حجارة منقوشة كانت في بناء مهجور ونرجو أن يتسنى — فيما بعد — إعطاء هذا الموقع حقه من التنقيب.»

ويعتقد الأستاذ سليم من مراجعة أسماء أصحاب القرابين أنها مشتقة من إحدى لهجات اللغات السامية، وهي اللهجة الكنعانية، وأن عبادًا لإله هرون أو هارون أو هاول أو هول هم أناس من أرض فلسطين وما جاورها أقاموا بأرض الجيزة، حيث أقام فيها وفي البقاع المجاورة لها إلى جانب الصحراء أناس متتابعون من قبائل فلسطين وسيناء.

ونرى أن تحقيق الأستاذ سليم حسن هو أحدث تحقيق تاريخي يعول عليه في استقصاء اسم أبي الهول، ولا ندري لماذا استبعد الأستاذ أن يكون اسم الإله هورن أو هول منقولًا من اسم الإله الفرعوني القديم «هور» أو حور الذي يسميه اليونان هوروس؛ لأنهم لا ينطقون الحاء، فإن شعوب الشرق الأدنى قد نقلت عن مصر عبادة الأرباب التي كانت تعبد في منف وطيبة ومنها الإله «آتون» الذي يرجح بعض المؤرخين أنه أصل الإله «أدوناي» بالعبرية والإله «أدونيس» باليونانية. ومنها على قول الأستاذ أحمد كمال اسم العزى المنقول من «إيزيس» وهي «عزي» في لهجتها الفرعونية.

وأقرب هذه الفروض والتأويلات إلى القبول أن يكون معنى أبي الهول معبد هور، وأن تكون بلهويه وبلهيب وبلهوب التي وردت في التواريخ العربية تصحيفات سابقة لشيوع الكلام بالعربية في وادي النيل، ثم تحولت إلى بي الهول وأبي الهول بعد أن فهم الناس معنًى لكلمة «الهول» يفسرون به ذلك الاسم القديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.