الخطبة التي ألقاها المستر بولدوين في مجلس العموم في أثناء المناقشة في المسألة الهندية، من أحسن الخطب في بابها التي قرأناها لرجال السياسة خلال هذه الأعوام، ومن أكثرها اتِّزانًا وبُعْد نظرٍ ورجاحة عقل في إخلاص بين المرء وبين نفسه، ولما كان المستر بولدوين رجلًا ذا صبغة رسمية، كان لنا أن نذكر أن أمثاله رجال السياسة وبخاصة من الإنجليز كثيرو التحفُّظ في بياناتهم، حتى ولو هم ألقوها بلهجة «صريحة» في الجلسات البرلمانية، وكان لنا أن نقدِّر كذلك أن فكره أوعب من بيانه.

وتعليق المستر سبندر على تلك الخطبة، الذي لخَّصته البارحة تلغرافات «الأهرام» الخصوصية من مقاله في جريدة «الديلي نيوز كرونيكل» يضاهي من الوجهة الصحافية والأدبية خطبة المستر بولدوين من الوجهة النيابية والسياسية، وكلاهما يقدِّم صورة جميلة من سعة المدارك الإنجليزية، واستعدادها للتطور؛ ومقدرتها على النظر إلى الأمور كما هي مظهرها الحقيقي دون التعلق بالأوهام العتيقة والاستسلام للغطرسة الوطنية.

ليست مشكلة الهند بالمشكلة المحلية المحددة، بل هي نفس المشكلة الضاربة الآن في سائر الأقطار الشرقية، غيِّرْ من أسماء البلدان وبدِّلْ فيها كيفما شئتَ، تظل المشكلة واحدة في كل مكان؛ لذلك كان دواؤها واحدًا، يجب أن تعمد إليه ليس إنجلترا وحدها، بل كل دولة استعمارية أخرى قبل فوات الأوان، وإلا كان شأنُ ذلك الدواء، الذي لا بد من استعماله يومًا، شأنَ كلِّ علاج يجيء بعد وقته.

وقد وضعت «الأهرام» لفقرة من مقالة المستر سبندر هذا العنوان «سلام الشرق يتوقف على سياسة إنجلترا»، ويمكن تحوير هذا العنوان في شكل آخَر لم يُشِرْ المستر سبندر إلى معناه، مع أنه ربما كان يفكر فيه، وهو: «سلام أوربا يتوقف على سياسة الشرق».

لأنه رغمًا عن مشاكل أوربا العديدة القائمة في داخل قارتها وفيما بين أقوامها، فالجميع يعلمون أنَّ من أعظم تلك المشاكل التنافس على الاستعمار، والطمع في السيطرة على البقاع السحيقة وراء البحار، في سبيل ذلك تتفق الدول فيما بينها مرة على اقتسام الغنيمة، وفي الاختلاف على ذلك مرات منشأ للتحاسد والضغينة المؤدية إلى فواجع الحرب. ومهما مَوَّه رجال السياسة على نفوسهم، وحاولوا التمويه على الآخرين، فليس في وسعهم تغيير الواقع، وإن هم تفنَّنوا في تعليله على ما يشتهون، ولا في وسعهم أن ينزعوا من العقول الاقتناع بأن الحرب الأخيرة لم تكن إلا مجزرة شنيعة رُمِي في صميمها إلى التوسُّع الاستعماري.

والغريب أن الدول القوية في حملتها الاستعمارية، لا تحسب حسابًا للشعوب التي ترغب في السيطرة عليها والتصرف في شئونها. إن شعار كل أمة مستعمرة كشعار الأطفال تتلخص في كلمة «نحن وكفى!» وأوربا العالمة المثقفة البصيرة التي كان علم السيكولوجيا من أعظم علومها، لا تعرف غالبًا من نفسية الشعوب التي تحكمها إلا ناحية الرضوخ للأمر الواقع، وهي تنسى، أو يروقها أن تتناسى الناحية الأخرى الموفورة الأهمية، أعني ناحية المناعة التي يخلقها الذل والضغط والإجحاف في حيوية الشعوب المستعمَرة (بفتح الميم الثانية).

كثيرًا ما نرى كتَّاب الغرب يعجبون لاستحكام بعض العادات والتقاليد والمزاعم الباطلة بين بعض الأقوام والجامعات في الشرق، ويرون فيها علة التأخر والجمود، أفلا نعجب نحن من ناحيتنا كيف أنَّ العقلية الاستعمارية لم تتغيَّر أصلًا؟

وإذا كان الجمود في بعض مناحي الحياة الشرقية يُعزَى إلى الجهل والافتقار إلى توسيع المدارك، فإلى أي شيء نستطيع نحن أن ننسب جمود العقلية الاستعمارية عند أوربا المبتكرة العجائب؟ أليس مدهشًا أنَّ الغرب الذي غيَّرَ بحذقه وجه العالم، لم يلحظ بعدُ أنَّ الشرق قد تغيَّرَ؟ أليس مدهشًا أنَّ الغرب الذي يجري في تيار التطور بهمة وثبات، لم يفقه حتى الآن أنَّ التطور يجري في الشرق مجراه؟ أليس مدهشًا أنَّ الغرب الذي روَّج عندنا أدواته وصناعاته وعلومه وآراءه وأساليبه، لم ينتبه إلى اليوم أننا نستفيد نحن من هذه الأساليب والآراء والعلوم والصناعات والأدوات مثل استفادته؟ وأن الغرب الذي يحلِّل مشاكل التاريخ ويعرف اتجاهاته، يتجاهل الاتجاه التاريخي الذي تخلقه خلقًا علاقة الأمم الاستعمارية بالشعوب المحكومة، كما كانت بالأمس وكما هي اليوم؟ ولا يَغُرَّنَّ أحدًا النقصُ الكبيرُ في ثقافة العامَّة في الشرق؛ لأن الشرق قد تعلَّم من نفسه ومن الغرب، فعلم أنَّ الأفراد توحي إلى الجماهير وتستدرجها وتقودها.

فلذلك عندما نقرأ قول المستر سبندر: «ففي كل هذه المناطق (الشرقية) يتوقف السلام والرخاء والتجارة على السياسة البريطانية بحالة غريبة لا مثيل لها، ومن الجهل المطبق أنْ يظن أنَّ هذه المشاكل يمكن حلها عنوة واقتدارًا؛ فليس يسع رجلًا مثلي جاب تلك الأقطار، وتنقَّلَ من بلد إلى آخَر في السنوات الخمس الماضية، وشاهد ما فيها من المشاكل الغريبة الواحدة تلو الأخرى — أقول لا يسع رجلًا مثلي أن يتصور لحظة واحدة أنَّ يد البطش كفيلة بتوطيد دعائم النفوذ البريطاني أو استقراره، أو أنها تستطيع أنْ تعمل شيئًا أكثر من قمع الإضرابات المحلية المؤقتة …»

وقوله: «… فمهما أمعنَّا في الإرهاب، لا نستطيع لحظةً الحصول على هذا التعاون الجوهري، ما لم تقبل تلك الشعوب زعامتنا، وهذه الزعامة تفتقر إلى أدمغة وتصورات وأفكار أعلى من فكرة التسلط والسيادة، ومن العبث أن نستمر في القول إنَّ الشرق عاجز عن حكم نفسه بنفسه، وإن الله وكَّل إلينا حكمه وتصريف شئونه، فقد حكم الشرق نفسه زمنًا أطول كثيرًا من حكم الغرب نفسه بنفسه، وهو قادر على أنْ يحكم نفسه طبقًا لأساليبه الخاصة لو تُرِك وشأنه … وليس في مقدورنا أنْ نطفئ جذوة الحركة الوطنية …»

عندما نطَّلِع على هذه الآراء لا يسعنا إلا التقدير أنَّ المستر سبندر «ولد شاطر»، وأنه يستحق حقًّا علامة «جيد جدًّا».

ونزيد أنَّ عاطفة الوطنية العتيقة يجب أنْ تخضع اليوم كغيرها لحكم التطور، فلا يظل معنى المجد الوطني والعظمة القومية قائمًا في خنق القوميات الأخرى واغتصاب أوطانها؛ بل لا بد أنْ تتحول إلى الإدراك بأن شعور كل امرئ من أي شعب كان بإزاء وطنه، هو بالضبط كشعور الإنجليزي بإزاء إنجلترا، والفرنسي بإزاء فرنسا، وقِسْ على ذلك.

وإن لم ينتبه الغرب إلى هذا الأمر، وظل ماضيًا في عقليته القديمة في الاستعمار، وجد نفسه يومًا أمام تحوُّل تاريخي مفاجئ لن يفلح في تكييفه في ذلك الحين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.