أيها الكبري العزيز

هذا هو اليوم الأخير من عمرك الذي عرفنا واستغللنا، ولقد جهد الكثيرون في الإبقاء عليك، غير أن للدوائر العليا من بعيد المرمى مما يظهر أنْ لا قِبَل لنا به نحن صغار الخلائق، فحمَّ القضاء واقتربت الساعة، وليس هو القمر الذي سينشق، بل هي القاهرة التي ستنشطر إلى شطرين لا يصل بينهما في القلب واصل. فإنا لله وإنا إليه راجعون!

وهكذا نُحرَم منك في مطلع الربيع يوم تُخرِج الأرض العروس زينتها وتعرض مباهجها، فيتجلى على صفحة الرياض الفن الأسنى في التنميق والترقيش والتلوين، وتسري نشوة الحياة في الجذوع وفي الأوراق وفي الغصون، وتنفتح الأزهار على الأفنان تفتح الابتسامات على الثغور! نُحرَم منك يوم تجري الدماء في الأجساد بسورة الحميا، فيحتاج البشر المساكين إلى الدنو من الطبيعة والاستسلام إلى روحها، طلبًا للمؤاساة والعطف والابتهاج البريء الذي لا يمنحه سواها! نُحرَم منك في أول أبريل، في موسم تداول السمكة التاريخية، وتبادل الأكذوبة المليحة بين الأصدقاء، ولكنك أنت لم تكن قَطُّ في حياتك الطويلة أسطورة وأكذوبة، بل كنتَ أبدًا حقيقة محسوسة ملموسة في إحسانها إلى القريب والغريب، والعظيم والحقير، وفي عدلها المسوِّي بين الراجل والراكب والمُشْمَخِرِّ والوادع، وفي حضورها المستديم لجميع القاصدين!

يا لحُسْنكَ في الصباح إذ يترنح على جانبَيْك النيل الهني البسَّام، ينحدر من منابعه في البحيرات النائية حاملًا في موجه الأريحي حديث الصعيد معقل الخفايا والكتمان، فيتهادى في سيره ليروي المروج والسهول، ويرطب صدر الأرض الملتهب، قبل أنْ يصب في البحر الفيَّاح، جامع شمل الجداول والسيول والأنهار!

يا لحُسْنكَ في الظهيرة إذ تتجمهر فى حومتك المراكب والزوارق والقوارب مثقلة بخيرات البلاد، ناطقة بجهود العباد! فما إن تفسح لها ممرًّا حتى تمخر العُبَاب ناشرةً أجنحة شراعها البيضاء كَرَايات للنشاط والعمل والرخاء، مكوِّنة في تلاصقها وانتظامها أسطولًا جميلًا للجد والظفر والصفاء!

يا لحُسْنكَ في المساء إذ تنبثق فوقك وحواليك في القرب وفي البُعْد أضواء الأرض وأضواء السماء، فتتوحَّد العصور على جانبَيْك، وتحتشد الأجيال، ويقف الزمان خاشعًا في محراب الليل! ساعة تتجشم في الظلام المنار روعة الهياكل التي لا تُرَى، وتتعالى في فخامة هاتيك الجدران الرهيبة، وتنطق شفتا أبي الهول بكلمات غير مسموعة، وتتحرك أيدي الآلهة والملوك والكهان بإشارات نافذة التعبير سحرية البيان! ساعة تروي الحجارةُ المتهدمة والأخربةُ المتراكمة حديثَ التاريخ وعِبَر الأيام، ويتضخم معنى الأهرام التي عرفت يدُ الأقدمين أن تودعها السرَّ الذي لا يدركه حيٌّ! ساعة يتضح ولو في إبهام العلاقة بين مصر السحيقة، وبين مغزى الحياة في حركة الشموس ودوران الأفلاك وانبساط المجرة في عقيق الفضاء!

يا لحُسْنكَ ساعة تسير فوقك مواكب الجِمَال والحمير، حاملةً نتاج الوادي الكريم وثمرة الجهود من الفقراء والفلاحين حرَّاس كنوز المروج وأمناء الخصب المقيم! فيجتازك هؤلاء ذهابًا يحدو بهم الأمل في الربح المنتظر، ثم يجتازونك إيابًا وقد تحوَّل الأمل إلى ما يملأ أيديهم من الثمن الوفاق! يا لحُسْنكَ ساعة يسير فوقك ذوو النفوس المترضرضة من جرَّاء محاذاة النفاق والحقارة والغباوة والجحود! فيعودون وقد حفل كيانهم بخضرة الأشجار واتَّسع اتساع الآفاق، فرجعوا إلى الحقيقة الإنسانية الشاملة، وامتلأت أرواحهم بعواطف الجود والرحمة والسلام.

ويا لحُسْنكَ الشفيق، يا لحُسْنكَ وإحسانك، ساعة يفكر فيك البائس الآيس الذي لا يجد له بين الناس صديقًا، ولا يرى له في أرض الناس مكانًا، فيقصد إليك ليلقى من النيل صدرًا يأوي إليه وقلبًا يعطف عليه!

أنت من حجر وحديد، أيها الكبري العزيز، ولكنك كنت من العوامل المولِّدة الرقة والحذق والإدراك ونُبْل التعامي عن الصغائر لغير واحد من عابريك، ولك ندين بشيء كثير من عذوبة الاتصال بسر الطبيعة وبروح الحياة، ولك ندين بشيء كثير من الشعور المتواتر بأن مصر اليوم ليست دونها بالأمس رغم التغيرات الطارئة، بل هي في صميمها واحدة متماسكة متماثلة في كل عصر وفي كل أوان!

وها أنت مقبل على الرحيل، لا ندري أيكون نصيبك الهدم أم الإغلاق أم التبديل، إلا أنك على كل حال غير موجود بالنسبة لنا، وسنشعر بابتعادك شعورًا شديدًا، بَيْدَ أننا مع الوقت ننسى لأننا نحن بني الإنسان جاحدون.

فلا أقل من أن نوجِّه إليك آي الحمد ساعة الشعور بالحمد، يا مربض الأسود المشرئبَّة، وصلة العمران الناشطة! ولا أقل من أن نُعرِب عن عاطفة الصلاح والإخلاص ساعة هي تختلج في الجوانح. سوف تعود إلى مكانك وواجبك وإحسانك بعد حين، ولكننا لا ندري أنكون يومئذٍ في الوجود فنحيِّيك ونقصد إلى ناديك؟ إنَّ عُمْر الحجر والحديد أطول من عُمْر اللحم والدم، أيها الكبري الحجري! وهذا الإنسان الذي يتكبَّر ويتجبَّر ويتألَّه يعلم في نفس الوقت أنه لا يستطيع أن يضمن لنفسه البقاء ولو ساعة واحدة.

ولكن أما رأيت كل ما تأتيه قدرته وذكاؤه في تلك الساعة السريعة من عمره الذاهب؟ إنه يعمل ويعمل ثم يمضي مرغمًا وهو يعلل النفس بالبقاء في الذراري وفي الأعقاب … كأنما الأعقاب والذراري تتخلى عن حياتها الخاصة في سبيل مَن سبقها، وكأنما ليس لها هي أيضًا رسالتها في العالم كما كانت لذاك رسالته! وداعًا، أيها الكبري الوسيم!

إنك يوم تعود لن تنفعنا بذكرى منك، حاضرين كنَّا أو غائبين! على أننا غداة رحيلك يروقنا أن نشيعك بكلمات الثناء والامتنان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.