الصغار في العيد

العيد للجميع، غير أن أوفر الناس حظًّا فيه هم الصغار، ولهم كانت تدين القاهرة خلال الأيام السابقة بذلك الجو المفعم بأناشيد الغبطة والحبور، في طول المدينة وعرضها، في الأحياء الوطنية وفي الشوارع الأوربية، كانت أصواتهم تشدو وتهزج وترن إبَّان مرورهم جماعات جماعات، صبيانًا وصبيات، محتشدين فوق «عربية كارو» لا يضيرهم ضيق المساحة، ولا يأنف الجالسون منهم في الأطراف من إرسال السيقان خارج «العربة» ليُفسِحوا مكانًا للراقص في وسطهم.

أي الأماكن هم ينشدون؟

هذا ما لا أعرفه، ولكن حسبنا الإبهام من هذه الألفاظ التي ينغمونها على وقع تصفيق الأَكُفِّ المنتظم المتتابع، حسبنا منهم هذه الألحان الساذجة القديمة، وهذه الملابس الزاهية النظيفة التي يرتدون، وهذه الأوضاع الدالة على المرح والنشوة البريئة في الرقص والوقوف والجلوس، حسبنا هذه الأصوات الجذلى المحدثة عن قلوب صافية، وهذه الأناشيد الموجدة جوًّا من الطرب اللذيذ والانتصار الذي لا يظلم مخلوقًا ولا يؤذي أحدًا، بل يبعث في الصدور معاني الرضى والسرور، ويثير في الجنان عواطف التأثُّر والحنان.

حسبنا منهم الوصول في سذاجتهم إلى أرقى ما ينادي به علماء الإنسانية من الرفق بالحيوان؛ فإن بعضهم لا يخشى تشويه جلبابه النظيف أو ثوبه البهيج إذ يحمل على ركبتيه البرسيم المدَّخَر لطعام الحمار، وكأنَّ الحمار نفسه يحس هذا السرور ويقدِّر من الصغار هذه العناية، ويشعر بطاقات الأزهار المزيِّنة أذنَيْه، فيجري «بالكارو» وما تحمل في رشاقة وهوادة، وكأنما هو يفاخر بأن يكون وسيلة من وسائل الجذل.

وبينما الجماعات تمر منشِدة هازجة، إذا بسِرْب من الطيَّارات يحلِّق في الفضاء، ويملأ السماوات أزيزًا وهديرًا وعزيفًا، فكأنما هو يذكِّر هذه الناشئة الراغدة اليوم بما يتهيَّأ لها من الواجبات في الغد القريب.

الغد! المستقبل! تُرَى كيف تكون حال مصر بعد قرن في عيد الفطر سنة ٢٠٣١؟ هذا ما لا يستطيع البت فيه أحدٌ، وهذا ما لن يراه جيلنا ولا جيل هؤلاء المنشدين، ولكن المحقَّق أنْ سيكون في هذه الشوارع أو التي ستحل محلها أطفالٌ مصريون ينشدون في ملابس العيد، وفوق رءوسهم هذه المنائر الباذخة، يدور فيها مؤذن الإسلام داعيًا إلى الصلاة ومكرِّرًا: الله أكبر.

أَجَلْ، بعد كَرِّ القرون وتطوُّر العلم وتكيُّف الحياة سيبقى أمران لا شك فيهما: مرح الصغار الموطد الرجاء في حيوية مصر، ونشيد المؤذِّن الذي هو شعار الإيمان والعبادة!

محاضرة السنيور بيكولي في الكورسال

آداب الشعوب جميعًا تحاول الآن أن تصطبغ من الناحية الواحدة بالصبغة الجنسية، ومن الناحية الأخرى بالصبغة العالمية التي تنطوي تحتها الإنسانية بأسرها، إلا روسيا وإيطاليا اللتان تحاولان طبع آدابهما بطابع النظام السياسي المسيطر عليهما، رغم اختلاف النظامين فيما بينهما ومقارنتهما الواحد للآخر.

روسيا السوفيتية تريد إيجاد آداب «بولشفية» لا نعرف منها نحن شيئًا، بحكم جهلنا اللغة الروسية وبخاصة بحكم الواقع، إلا أننا لحسن الحظ نستطيع الإلمام بآداب إيطاليا ومسايرة حركتها الفكرية الجديدة، والوقوف على آراء الكتَّاب فيها والمفكرين، فضلًا عن رجال السياسة، الذين يريدون إلباس آدابهم قميصًا أسود دون أن يسلِّحوها بشعار «الليتوريو»، وأن يجعلوا لها يدًا ترتفع للتحية على الطريقة الرومانية الفخمة؛ فقد دعا موسوليني قومه إلا أنْ لا يسمُّوا حكومته بالقومية أو الوطنية بل «بالفاشستية»، والنظام القائم الآن هو «الفاشيستي»، والنزعة الجديدة في التفكير و الكتابة عند طائفة كبيرة هي «النزعة الفاشستية». وتقول الكاتبة الإيطالية مرغريتا سارفاتي في كتابها عن موسوليني Dux أي الزعيم، إن هناك طرازًا «فاشستيًّا» للنظر في الأشخاص والأشياء، وفي تسريح الشَّعْر والمشي والوقوف والكلام و الهتاف، عدا «الطقوس الفاشستية» المستعمَلة في احتفالات الفرح والحماسة والحزن والموت، فمفهوم أن يكون الطابع الخطابي الجديد طابعًا فاشستيًّا.

وكذلك كانت محاضرة الكاتب الإيطالي الشهير السنيور فالنتينو بيكولي عن «إيطاليا الجديدة» في مسرح الكورسال يوم الأحد الماضي، كانت تلك المحاضرة «فاشستية» في روحها وفي مرماها، وفي أسلوب تفنيد التاريخ وتأويله، كأنما كل ذلك تاريخ كان تسلسلًا منطقيًّا يستمِد من الروح القديمة غذاءَه الفكري والاجتماعي والفني في انتظار العهد الفاشستي.

«عندما أذكر روما — يقول المحاضر — لست أعني حضارة أو مذهبًا سياسيًّا، ولكني أعني قوة روحية وفيضًا نورانيًّا لم ينقطع من تقاليدنا في حقبة من الحقب، بل كان يلوح ويضيء الوقت بعد الوقت في عوالم السياسة والأدب والفن والبطولة، فكان اسمه مرة دانتي، ومرة مكيافيلي، أو كافور، أو فوسكولو وبارييني وليوباردي وكردوتشي وأورياني وكريسبي وغيرهم، عبقريات منفردة تجاهد في سُبُل مختلفة، ولكنها جميعًا متوحدة الرغبة في مكافحة الواقع الآيس، وإيقاظ الهاجعين، وبث الرجاء في نفوس المستائين الساخطين، وفي تجديد نضرة إيطاليا الغبراء إيطاليا عصرهم، ذات الارتباك والقحط والعوز، وذات السياسة الضئيلة، والدسائس العديدة، والتسامح الأثيم في التفريط والكرامة.

وما لاح فجر القرن العشرين إلا وشاعت في أرجائها حرارة روحية عظيمة؛ فشعر أهل الإنتاج والإبداع بأن الأدب والفن لا يستطيعان الانقطاع عن العالم في ملكوت خيالي، بل عليهما أن يتمركزا بالاشتراك في الجهاد اليومي، وأن يسيرا في معمعة الحياة المحسوسة في ميادين الاجتماع والسياسة والعلم والاقتصاد. وظل «الضمير الوطني» يبعث وينمو ويتطور قبل الحرب العظمى وخلالها في أحوال عسيرة مفطرة، حتى ردت الحرب إلى إيطاليا حدودها الطبيعية، دون أن تنيلها جميع مطالبها، على أنها خرجت منها في تجدُّد روحي وحمية بالغة. وقد خُيِّل حينًا أن الموجة الطاغية قد فازت باكتساح كل شيء وتدمير كل شيء، لولا ظهور الرجل (يعني موسوليني) الذي عرف أن «يريد» وأن يركز إرادته بعزم وصلابة، فالتفَّت حوله القوى الجديدة الجادة، وسار تحت لوائه الشبَّان والأمهات وجميع الذين يمقتون التردد والدمار، فخلق نورًا جديدًا ونظم الفاشستية، تلك الحركة العظيمة التي بلغت حد الكمال في إيطاليا الدائمة الشباب، الآخذة اليوم بكل مجد روما القديمة لتضيف إليه ما يعظمه من مجد طارف».

وقد أبان المحاضر خصائص النظام الفاشستي وعناصره، وأعماله البادية في المدن والقرى والمزارع والسُّبُل، حيث الحياة تُجرَّب على اتساق جديد في نشاط وذكاء ودقة وإيمان زاخر، وذكر حَلَّ الإشكال بين رأس المال والعمال، ونوَّه بما يتربى عليه النشء من عواطف الاحترام للعائلة والحب والوطن، والاستعداد للتضحية والموت دون طلب المكافأة ودون بحث عن الشهرة. وقال: إن هذا البعث العظيم الذي من بعض عناوينه عبقرية مركوني وبسالة بالبو (وزير الطيران الذي قاد أخيرًا الأسطول الهوائي الإيطالي في رحلته إلى البرازيل)، يتجلى كذلك في نشاط كلٍّ من عمال القلم وعمال اليد المتواضعين، مما يجعل هذا العهد زاخرًا بالآمال والوعود، ويحمل الإيطاليين على المفاخرة بوطنهم النبيل، وعلى العمل ليجعلوا نور روما متألقًا في بهاء لم يسبق له مثيل.

والدكتور بيكولي الذي حضر إلى الإسكندرية بدعوة من الليسه الفرنسية، ليلقي فيها محاضرتين بهذه اللغة، هو حفيد المتشرع الإيطالي مانتشيني الذي كان وزير الخارجية الإيطالية إبان ثورة عرابي باشا في مصر، لا «يتحمس» في خطاباته؛ ربما لأن شخصيته أدبية فلسفية في آنٍ واحدٍ، كما تظهر في كُتُبه القيِّمة، وربما لأن عليه تبعة الكاتب السياسي أيضًا. إن صوته لا ينطلق في نبرة رنانة، ولا يخرج عن قراره الوادع الهادئ، ويكتفي من حجج الإقناع بربط التسلسل التاريخي في مناعة، وأن يحكم حلقات التأويل بجمل بسيطة قوية المبنى يسردها في جلاء، فلا يفوتك من الألفاظ لفظة، ولا يلتبس عليك معنى، ويشير الوقت بعد الوقت الإشارة المتوازنة النبيلة التي تفيض على المعنى قوة وبلاغة. ولرسم خط واضح من شخصيته أنقل هنا جوابه إلى إحدى الجماعات الأدبية التي استفتته وغيره من الكُتَّاب في شأن تنظيم الحركة الأدبية الجديدة وإصلاحها، وبأي الوسائل يتم ذلك الإصلاح، فأجاب: «الوسيلة واحدة: وهي تتلخص في إيقاظ الشعور بدرجات الذكاء ومراتب العبقرية في ضمير الكتَّاب».

مؤتمر النَّحْل ونتائجه المنتظَرة

تحية إلى الدكتور أبي شادي الذي مع القيام بمهام وظيفته الرسمية، يعرف أنْ يجد متَّسعًا من الوقت لتأليف الكتب العلمية الموفورة الجدوى، والأبحاث الطبية، والفصول الأدبية، وترجمة روايات شكسبير، ونظم القصائد، وتنسيق دواوين الأشعار، وتحرير مجلة مملكة النحل، والقيام بأعمال سكرتارية رابطة النحل بمصر، والتراسل مع جماعات النحالة وأقطابها في الخارج، وتأسيس أندية النحل، وتربية النحل ودراسة طبائعه وعاداته، ونشر الدعاية لترويج هذه الصناعة الزراعية النافعة في مصر، وإفهام الذين يفهمون أنَّ النحل ليس «شريرًا» بطبيعته، بل هو وادع مسالم شأن كل مستغرق في العمل، فلا يلسع إلا مضطرًّا للدفاع عن نفسه، وأن مصر من أصلح الأقطار لتربية النحل؛ نظرًا لجوها وطبيعة أرضها ونباتها وأزهارها. أيُّ شيء (يهمله) الدكتور زكي أبو شادي!

لقد أفلح في عقد مؤتمر للنِّحالة في مصر، فكان هذا المؤتمر فوزًا له ولإخوانه الذين يعنون بتربية النحل منذ أعوام، والجمهور ساهٍ عن هذا المورد الذي يدرُّ عسلًا هو كل العسل بلا تورية! وللدكتور دَيْن على النساء؛ لأنه خصَّهن بجلسة من جلسات المؤتمر، ألقى فيها اختصاصيٌّ فاضلٌ بحثًا عن النِّحالة والسيدات، نرجو أن تذيعه لجنة المؤتمر على الجمهور مع كل ما أُلقِي من المباحث الأخرى في هذا الموضوع الشتيت. وقد جدَّد الدكتور بعنايته تلك فَضْل الرجل في إيقاظ المرأة في مصر، ذلك الفضل العميم الذي غمرنا في الماضي، وهو يغمرنا في الحاضر، وسيظل حتمًا يغمرنا في المستقبل، نسبح فيه مرةً كالأسماك في البحر، ونحلِّق فيه مرةً كالأطيار في الجو، ومرةً أخرى ينقلب كئوس أزهار فننقلب نحن نحلًا يجني منه عناصر الشهد. إن شاء الله آمين!

نعلم عِلْم اليقين أن بعض السيدات المصريات في الأرياف يرغبن في تربية النحل، إلا أنهن يفتقرن إلى الإرشاد، فَلْيتوجهن إلى الدكتور أبي شادي بأسئلتهن، فعنده لا عند جهينة (وإن غضب عليَّ علماء اللغة جميعًا) الخبر اليقين!

والنحلة بعدُ مخلوقة بغريزتها «فمينست» (ما ترجمة هذه الكلمة بالعربية يا أستاذ فكري أباظة؟) فالجالس على العرش في كل فصيلة ملكةٌ لا مَلِكٌ (نقدِّم إلى السادة الرجال شيئًا يشبه الاعتذار في هذا الباب!) فالنحلة مثال للنظام الاجتماعي، وتقسيم العمل والنشاط، وتبادل الاستفادة أو الإفادة في كل ما تصنع، وهي تُثبِت في نشاطها تلك القاعدة الحيوية الجميلة أنَّ المرء يعطي كما يأخذ، وأنه يجب أن ينفع لينتفع؛ فما امتصت شيئًا من زهرة إلا وأمدتها بقوة ونضرة جديدتين، ولا أخذت عنصرًا من عناصر حياتها، وهي تتناول من العسل كفايتها دون طمع، وتترك الباقي للذين يعرفون كيفية استخراجه واستعماله في شتى المنافع والخدم والوسائل.

وفي الختام كما في الاستهلال، تحية للدكتور أبي شادي، وَلْتَحْيَ النحلة المثل النسوي الجميل في كل حياة جميلة!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.